
تذكرة الدرجة الأولى اتحولت لتذكرة واقفة فألغيت رحلة العيلة كلها كنت واقفة قدام بوابة التفتيش في محطة القطر، وأنا حامل في الشهر الخامس، وببص في شاشة الموبايل ومش مصدقة اللي شايفاه. التذكرة اللي كنت حاجزاها لنفسي كانت درجة أولى مميزة. لكن فجأة، ومن غير ما أعرف، التذكرة اتلغت واتبدلت بتذكرة درجة تانية من غير كرسي.
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة جنبي، وبعدها بصيت لأخت جوزي ياسمين.
ياسمين بعدت عينيها عني بسرعة، ومدت إيدها وحطت تذكرة الدرجة الأولى في إيد خطيبها الجديد كريم، اللي ما بقalهمش غير شهر واحد يعرفوا بعض.
وقالتلي بمنتهى البرود:
معلش يا سارة، حصل تعديل في الحجز، وتذكرتك الدرجة الأولى اتحولت لتذكرة من غير كرسي.
وبعدين كملت وكأنها بتتكلم عن حاجة عادية جدًا:
ما هي الرحلة ساعة وشوية بس. تقفي شوية يبقى حركة ليكي. ما إنتِ حامل، مش معنى كده إنك تفضلي قاعدة طول اليوم. بلاش دلع بقى.
حماتي هزت راسها وقالت:
أيوه طبعًا. وبعدين إحنا عيلة واحدة، هنحسبها على بعض؟ كريم أول مرة يسافر معانا، يعني نخلي راجل طويل عريض زيه واقف وإنتِ قاعدة؟ منظره يبقى إيه قدام الناس؟
ما رديتش.
نزلت بعيني على الموبايل وفتحت سجل الحجوزات:
الساعة 9:12 الصبح: تذكرتي الدرجة الأولى اتلغت.
الساعة 9:14: اتحجز مكاني تذكرة درجة تانية من غير مقعد.
الساعة 9:16: تذكرة كريم العادية اترفعت للدرجة الأولى المميزة.
والجهاز اللي اتعملت منه كل التعديلات؟ موبايل ياسمين.
هي كانت فاكرة إني مش هاخد بالي.
لكن أنا ما زعقتش، ما عيطتش، وما عملتش خناقة.
فتحت تطبيق الحجوزات قدامهم بهدوء:
الفندق الخمس نجوم اللي كنت حاجزالهم فيه جناح عائلي مطل على البحر؟ إلغاء.
العربية الخاصة الفخمة اللي كانت هتستنانا أول ما نوصل؟ إلغاء.
حجز مطعم السمك اللي كنت دافعة له عربون؟ استرداد.
قفلت الموبايل وبصيت لهم:
طالما السيستم بيحب يعدّل الحجوزات أوي كده، يبقى نعدّل باقي الرحلة بالمرة.
وسكت لحظة قبل ما أكمل:
من هنا ورايح، كل واحد يدفع حسابه بنفسه.
1
المحطة كانت زحمة جدًا، وصوت الإذاعة الداخلية بيتكرر كل شوية بينبه الركاب إن بوابة القطر هتقفل خلال دقائق.
كنت واقفة قدام البوابة وأنا حاطة إيدي على بطني، وبرجع أبص على التذكرة للمرة التانية: درجة تانية بدون مقعد، مع إن قبلها بنص ساعة بس كانت تذكرتي درجة أولى.
أنا اللي كنت حاجزة كل تذاكر الرحلة دي، ومن البداية أنا اللي رتبت كل حاجة.
ولأن ياسمين كانت عايزة تتابع تفاصيل الرحلة ومواعيدها، كنت سمحت لها قبل كده تدخل على حساب الحجوزات بتاعي من موبايلها. ما تخيلتش إنها هتستغل إني دخلت الحمام كام دقيقة، وتلغي تذكرتي، وتحجزلي تذكرة من غير كرسي، وتستخدم فرق السعر علشان ترفع تذكرة كريم للدرجة الأولى.
ياسمين مسكت دراع كريم وقالت:
معلش يا سارة، شركة السكة الحديد عملت تعديل مفاجئ في المقاعد، وتذكرتك اتحولت لتذكرة واقفة.
كان في عينيها توتر واضح، لكن صوتها كان ثابت جدًا وهي بتكمل:
ساعة وشوية ونوصل. اعتبري الوقفة رياضة. بلاش دلع زيادة.
حماتي شدتني من كمي وقالت:
يا بنتي ما إحنا أهل. هو إحنا هنقف لبعض على الواحدة؟ كريم أول مرة يسافر معانا، معقول نخلي راجل زيه واقف؟
رفعت عيني وبصيت لكريم. كان ماسك تذكرة الدرجة الأولى الجديدة، وشفايفه بالعافية مخبية ابتسامة، ومع ذلك قال بمنتهى التصنع:
والله يا سارة أنا محرج جدًا، طب ما أنا ممكن أقف مكانك؟
قالها وهو واقف في مكانه، ولا حتى اتحرك خطوة علشان يرجعلي التذكرة!
ياسمين مسكته بسرعة:
سيبك منها يا كريم. هي يعني مش هتستحمل تقف ساعة؟
زمان:
غالبًا كنت هبلع الإهانة وأسكت، لأني طول عمري مقتنعة إن المشاكل بين الأهل ما تستاهلش إن الواحد يكبرها، خصوصًا بعد جوازي.
حماتي كانت دايمًا تقوللي: “إنتِ مرات الأخ الكبير، لازم تبقي أعقل.. الكبير لازم يعدّي للصغير”.
وأنا عدّيت.. ثلاث سنين كاملة وأنا بعدّي في كل الطلبات والمصاريف.
لكن واضح إنهم نسوا حاجة مهمة: إني لما كنت بعدّي، ده كان بمزاجي مش حق مكتسب ليهما، والأهم إن المرة دي أنا حامل.
حطيت إيدي على بطني، وطلعت الموبايل:
جناح عائلي لمدة ليلتين في فندق خمس نجوم: إلغاء الحجز.
العربية الخاصة السبعة راكب: إلغاء.
الغرفة الخاصة في مطعم السمك: استرداد العربون.
ياسمين بانت الصدمة على وشها:
سارة! إنتِ بتعملي إيه؟!
بعدّل برنامج الرحلة.
يعني إيه؟!
مش إنتِ قلتي إن الحجوزات ممكن يحصل فيها تعديلات مفاجئة؟ أهو الفندق والعربية والمطعم حصل لهم تعديل هم كمان. أي مصاريف من دلوقتي، كل واحد يدفعها من جيبه.
ياسمين ضحكت بسخرية:
إنتِ بتهزري؟ هتحجزي تاني لما تهدي وخلاص!
وحماتي وشها اتقلب:
من ساعة ما حملتي وإنتِ عصبية ومش طايقة حد! كريم واقف أهو، مش مكسوفة من منظرك قدامه؟
أخدت ياسمين وكريم بسرعة ودخلوا ناحية بوابة الدرجة الأولى، كأنهم خايفين لو أخروا دقيقة أغير رأيي.
وقفت مكاني، راقبت ضهر التلاتة لحد ما اختفوا ورا البوابة، وبعدين لفيت ومشيت ناحية شباك خدمة العملاء.
قلت للموظفة:
لو سمحتي، عايزة ألغي التذكرة.
الموظفة بصتلي باستغراب:
حضرتك تذكرتك درجة تانية بدون مقعد. متأكدة إنك عايزة تلغيها؟
متأكدة.
الناس اللي معاكي دخلوا بالفعل، مش هتسافري معاهم؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة: “لأ”.
خلصت إجراءات الإلغاء، وطلبت عربية وروحت بيت أمي.
وأنا في الطريق، الموبايل نور برسالة ستوري من ياسمين ليها هي وكريم قاعدين جنب بعض في الدرجة الأولى، وقدامهم أكل ومشروبات، وحماتي وراهم مبتسمة، وكاتبة: “في ناس أول ما تحمل تفتكر نفسها بقت ملكة! الدرجة الأولى ليها طعم تاني فعلًا”.
بصيت للصورة ثواني، حفظت نسخة عندي، واتصلت بمدير الفندق أؤكد إلغاء الحجز تمامًا وألا يسمح لأحد باستخدام بياناتي.
قفلت المكالمة، وسندت راسي على إزاز العربية.
ثلاث سنين جواز وأنا بدفع فواتير الشقة، العربية، علاج حماتي، والسفر والخروجات.
كنت فاكرة إن لما الواحد يعامل الناس بأصل، هيعاملوه بأصل. لكن النهارده فهمت؛ في ناس لما تديهم كتير، بيتعودوا وبعد فترة بينسوا إن ده فضل منك ويقتنعوا إنه حقهم.
تذكرة القطر نفسها ما كانتش المشكلة، لكنها خلتني أشوف بوضوح أنا إيه بالنسبة لهم. وإذا كانوا شايفيني ماكينة فلوس، يبقى أول حاجة لازم أعملها إني أفصل الماكينة.
2
بعد الساعة تلاتة العصر، كنت قاعدة في صالة بيت أمي والموبايل بدأ يرن.. ياسمين.
رفضت المكالمة أكتر من مرة، ولما رديت في الرابعة، انفجرت فيا:
سارة! إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟! الفندق بيقول إن الجناح اتلغى ومفيش أي حجز باسمك! احجزي الغرفة تاني حالًا!
أنا قلتلك في المحطة إن الرحلة اتلغت، وأي مصاريف بعد كده كل واحد يتحملها.
حماتي خطفت الموبايل:
سارة! إنتِ اتجننتي؟! إنتِ اللي قولتيلنا نسافر، ودلوقتي عايزة تسيبينا في الشارع؟!
يا ماما، إنتوا اللي أصريتوا على الرحلة، وأنا رتبتها وحجزتها لأني كنت هدفع.. بس دلوقتي أنا ما سافرتش، وبالتالي مش مطلوب مني أدفع مصاريف رحلة أنا أصلًا مش موجودة فيها.
قالت بعصبية:
يعني علشان غيرنا لك الكرسي؟! كنتِ هتقفي ساعة! وبعدين كريم هيبقى جوز ياسمين، مش غريب!
ما دام هيبقى جوز بنتك، يبقى دي فرصة حلوة إنه يعزم خطيبته وحماته المستقبلية على الفندق. مش كده؟
ياسمين أخدت الموبايل تاني بصوت أوطى:
بصي يا سارة، فلوس كريم كلها محطوطة في استثمارات وما جابش معاه كارت بليميت كبير. احجزي الفندق دلوقتي ولما نرجع نبقى نتحاسب.
واحد مش قادر يدفع تمن أوضة فندق ليلة، مستثمر فلوسه كلها في إيه؟
إنتِ بتقللي منه؟!
أنا بس بقول إن الراجل القادر ماديًا مش محتاج ياخد كرسي واحدة حامل علشان يحافظ على منظره.
إنتِ هتحجزي الفندق دلوقتي! وإلا والله هخلي أخويا يطلقك!
الجملة دي كنت حافظاها. كل ما يحصل خلاف، يهددوني بجوزي محمود. زمان كنت بخاف على بيتي وبتراجع، لكن المرة دي، لأول مرة، حسيت إن تهديدها مش مخيف، ويمكن يكون اقتراح كويس!
ماشي.
إيه؟
مش إنتِ بتقولي هتخلي محمود يطلقني؟ خليه يرجع ونتكلم.
وقفلت، وبعدها عملت Block لياسمين، ولحماتي، ولکريم.
مع المغرب، واحدة من قرايبنا بعتتلي Screenshot لستوري ياسمين الجديدة.. مفيش جناح فاخر ولا إطلالة بحر، دي صورة لأوضة عادية جداً في فندق ضيق وإضاءته ضعيفة وفيها بقعة رطوبة على الحائط!
الصبح كانت بتتباهى، وبالليل قاعدة في أوضة بالكاد قدرت تدفع تمنها.
لكن الفندق ما كانش أكبر مشكلة مستنياها، لأني فتحت اللابتوب وبدأت أراجع كشف حسابي وأقساط الشقة وأوراق العربية وكل تحويل عملته آخر ثلاث سنين.
3
حطيت قدامي كل حاجة: تحويلات بنكية، إيصالات أقساط، فواتير علاج، مقدم العربية، حجوزات سفر.
قسط الشقة الشهري: 8 آلاف.
قسط العربية اللي بمساعد ياسمين فيه: عليا.
علاج حماتي ومصاريف البيت: جزء كبير عليا.
لما جمعت الأرقام اتفاجئت، أنا ما كنتش بساعدهم، أنا كنت شايلة جزء كامل من حياتهم!
ماما دخلت عليا وبصت للأوراق: “إنتِ ناوية تعملي إيه يا سارة؟”
أبطل أدفع.
قالتها ماما من غير تردد: “اعملي كده.. الاستحمال يبقى لما اللي قدامك مقدّرك، إنما لما واحدة حامل ياخدوا كرسيها ويدوه لراجل غريب عشان منظره، يبقى الموضوع مبقاش كرسي.. إنتِ بقيتي آخر واحدة في حساباتهم”.
فتحت تطبيق البنك:
أوقفت التحويل التلقائي لقسط شقة حماتي.
ألغيت التحويل الشهري لمصاريف عربية ياسمين.
غيرت كلمة سر التطبيقات المالية وشلت كارت البنك من أي حساب مش باسمي.
اتصلت بشركة التأمين وألغيت إضافة عربية ياسمين لبوليصتي.
حسيت براحة غريبة.. لأول مرة من سنين بقول كلمة “لأ” من غير ما أشرح أو أخاف مين هيزعل.
وقبل ما أقفل، الموبايل رن.. محمود.
إنتِ فين؟
عند ماما.
طب إنتِ عملتي إيه في أمي وياسمين؟
هما كلموك؟
ياسمين اتصلت بيا بتعيط! بتقولي سبتّيهم في مدينة غريبة من غير فندق!
قالتلك ليه؟ لغت تذكرتي وأنا حامل، وحجزتلي تذكرة واقفة وادت الكرسي لكريم؟
ما هي قالت لي إن حصل تعديل في التذاكر!




