منوعات

التذكره التى غيرت حياتى

محمود، إنت مصدق إن شركة السكة الحديد لغت تذكرتي لوحدها، وبعد دقيقتين رفعت تذكرة كريم بالصدفة من موبايل أختك؟

ما ردش، وده كان كفاية.

إنت عارف الحقيقة، صح؟
تنهد: “يا سارة، ما تكبريش الموضوع”.
غمضت عيني.. نفس الجملة كل مرة! لما أخته تاخد حاجتي ما تكبريش، لما أمه تتدخل ما تكبريش، لما أدفع إحنا أهل، وللما أرفض إنتِ أنانية.

أنا ما كبرتش حاجة، أنا بس بطلت أصغر نفسي.

سارة، أمي ست كبيرة ومش تستانس الفنادق التعبانة دي، حولي لهم فلوس يحجزوا مكان كويس وخلاص.

لأ.

يعني هتخليني أزعل منك علشان كام ألف جنيه؟
ضحكت بمرارة: “دي مش كام ألف جنيه.. دي تلات سنين بشيل مصاريف مش مصاريفي. من النهارده كل واحد مسؤول عن نفسه”.

يعني إيه؟

قسط شقة والدتك وقسط عربية ياسمين ومصاريف البيت اللي مالهاش علاقة بيا.. مش هدفع فيها.
صوته بقى عصبي: “إنتِ بتعاقبي أهلي!”

لأ، أنا بطلت أصرف عليهم.

ما هو ده عقاب!

الجملة خلتني أضحك بجد.. طول ما أنا بدفع ده واجب، وأول ما أبطل يبقى عقاب!

اسأل نفسك ليه حياتهم كلها بتتهز لمجرد إني قفلت محفظتي.. ولما ترجع، إحنا محتاجين نتكلم في حاجات أكبر من الرحلة دي.
وقفلنا.

4
تاني يوم، بدأت المشاكل تظهر.. رسالة من البنك بفشل الخصم التلقائي لقسط العقار، وبعدها اتصلت حماتي:

إنتِ فعلًا وقفتي قسط الشقة؟

أيوه.

وإحنا هندفعه منين؟

من صاحب الشقة.

صاحب الشقة مين؟!

حضرتك وابنك، مش أنا!

بعد كل اللي عملناه معاكي؟!

قوليلي حاجة واحدة عملتيها عشاني طول التلات سنين دول وما رديتهاش عشرة!

إحنا أهل جوزك!

بالضبط، أهل جوزي، مش أولادي.

قفلت وهي بتصرخ. وبعدها بساعة ياسمين بعتت من رقم صاحبتها تطالبني بقسط العربية، كتبت لها: “العربية باسمك.. بيعيها”.
كريم نفسه كلمني بعدها وقال بأدب مصطنع إن ياسمين زعلانة وإني مش متقبلاه، رديت عليه: “لما كرامتك تحتاج واحدة حامل تقف علشان إنت تقعد، يبقى المشكلة مش في التذكرة”.

في نفس الليلة رجع محمود، دخل بيت أمي ووشه متجهم. بابا طلب منه يتكلم بهدوء، فقال: “محتاج أتكلم مع مراتي لوحدنا”.

اتكلم هنا، الموضوع مش سر.
قعد وطلع موبايله: “أمي اتصلت كتير، وياسمين العربية هتتسحب منها”.

طبيعي.

إيه اللي طبيعي؟!

إن اللي مش قادر يدفع تمن حاجة ما يشتريهاش.
ضرب بإيده على الترابيزة: “إنتِ عارفة إن أختي محتاجة العربية!”
رد بابا بهدوء: “طب ما أخوها يساعدها”.
قال محمود: “عندي التزامات”، فرد بابا: “وهي بنتي ما عندهاش؟”

فتحت اللابتوب ولفيته ناحيته: “دي التحويلات اللي دفعتها لأهلك آخر تلات سنين”.
بص للأرقام.. الإجمالي كان أكبر بكتير مما متخيل.

أنا مش بطلبهم يرجعوا الفلوس، بطلب إن من النهارده يتعاملوا معايا على إني بني آدمة مش حساب بنكي.

كل ده كان بموافقتك.

صح.

يبقى ما ينفعش تعايرينا بيه.

أنا ما عايرتش حد، أنا بس وقفته.

يعني هتفضلي كده؟

أيوه.

سكت شوية، وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة: “لو مش قادرة تعيشي مع عيلتي، يمكن فعلًا الانفصال يكون أحسن”.
ماما بصتلي بفزع، بابا سكت، وأنا باصة لمحمود.
كنت متوقعة الجملة، بس مكنتش متوقعة إني لما أسمعها مش أخاف!

موافقة.
اتصدم: “إيه؟”

لو ده اختيارك، أنا موافقة.

سارة، إنتِ فاهمة إنتِ بتقولي إيه؟
حطيت إيدي على بطني: “جدًا”.
قام واقف: “إنتِ حامل في ابني!”

ابني أنا كمان.

يعني عايزة تربيه من غير أب؟

لأ، عايزاه يبقى له أب محترم، لكن مش هعلمه إن الست لازم تسكت علشان تحافظ على بيت بأي تمن.

أخد مفاتيحه وخرج. وبعد ما الباب اتقفل، ماما قربت مني: “إنتِ كويسة؟”
ولأول مرة.. أيوه، كنت كويسة.

5
بعد يومين، راجعت المحامي الأوراق. المفاجأة إن الشقة اللي حماتي عايشة فيها، رغم إني دفعت مقدمها وجزء كبير من أقساطها، العقد كان باسم محمود، والعربية باسم ياسمين! يعني قانونيًا الفلوس اللي دفعتها كانت مساعدات.
لم أندم، وقلت للمحامي: “أنا مش عايزة أجري ورا القديم، أنا بس عايزة اللي جاي يكون واضح”.
الشقة اللي أنا ومحمود عايشين فيها كانت باسمي من قبل الزواج، ودي كانت نقطة القوة.

بعد ثلاثة أيام، جت حماتي ومعاها ياسمين بيتي:

إحنا جايين ننهي المهزلة دي.. ده بيت ابني!

لأ، دي شقتي، وعقدها باسمي من قبل الجواز.
ياسمين ضحكت: “ما هو جوزك عايش هنا”.

كان.

طلعت كيس فيه هدوم محمود وحطيتها عند الباب: “باقي حاجته ييجي ياخدها في الوقت اللي نتفق عليه”.
بدأت حماتي تصرخ: “إنتِ بتطردي جوزك من بيته؟!”

البيت اللي يخرب لمجرد إني بطلت أدفع لأهله كان خربان من زمان.
ياسمين قربت: “إنتِ متخيلة أخوكي هيسيبك؟”

أخوكي هو اللي قال الانفصال أحسن.

وشها اتغير؛ واضح إنها ما كانتش تعرف.
حماتي سحبت شنطتها وقالت لياسمين: “يلا”، وقبل ما تخرج بصتلي: “هتندمي”، فقلت: “ممكن.. بس لو ندمت، على الأقل هيبقى قرار أنا اللي أخدته”.

بعد ساعة، محمود بعت رسالة: “أمي قالتلي اللي حصل، إحنا لازم نتقابل”.
رديت: “عند المحامي”.
كتب: “مش للدرجة دي”.
ابتسمت.. بالنسبة له إلغاء كرسي ست حامل مش للدرجة دي، ولأن أهله يعيشوا على حسابي مش للدرجة دي، لكن أول ما بدأت أحط حدود بقا المحامي للدرجة دي!
كتبت له: “بالنسبة لي وصلت للدرجة دي من زمان، أنا بس اتأخرت في ملاحظتها”.

6
بعد أسبوع، كنت عند الدكتور للمتابعة والموبايل على الصامت. لما خرجت لقيت 17 مكالمة فائتة من محمود وأمه وأخته.
اتصلت بمحمود بسرعة:

البنك بعت إن شقة أمي عليها متأخرات ولو القسط ما اتدفعش هيتخذوا إجراءات قانونية.

طيب؟

طيب إيه؟! ادفعي القسط!

أنا مش معايا المبلغ، اتصرف.

إنتِ عارفة ظروفي!

وأنا كنت عارفة ظروفي لما دفعت تلات سنين.

سكت وبعدين صوته هدي: “أنا عارف إني غلطت.. وكان المفروض ما أسمحش لياسمين تعمل كده”.

بس سمحت.

ولما كلمتني، أول حاجة طلبتها إنك تحول لهم فلوس.

صح.

ولما قلتلك إنك هوقف مصاريفهم، هددتني بالانفصال.

كنت متعصب، لكن الكلام بيكشف إحنا بنفكر إزاي. عايز أصلح اللي حصل.

علشان الشقة؟

لأ.

متأكد؟
سكت ثانية زيادة، وده كان كفاية. قلت له: “لما تكون عايز تصلح علاقتنا عشاني أنا، كلمني.. إنما علشان قسط الشقة، فالبنك رقمه موجود”. وقفت المكالمة.

بعدها بساعتين، ياسمين نزلت منشور طويل للكل بتشتكي فيه إن في ناس لما ربنا يديها فلوس بتتكبر، وإن صلة الرحم أهم من الماديات. القرايب تفاعلوا ودافعوا عنها.
بدل ما أدخل في جدال، نزلت صورة واحدة فقط: Screenshot لسجل التذاكر (من غير أسماء)، وكتبت تحتها: “الأصل مش إنك تدفع للناس.. الأصل إنك ما تاخدش كرسي واحدة حامل وتديّه لراجل عشان شكله قدام الناس”.

خلال نص ساعة، المنشور انتشر وسط العيلة وبدأت التعليقات تنقلب لصالحي، وياسمين مسحت منشورها، لكن كان فات الأوان؛ ولأول مرة الحقيقة بقت قدام الكل.

7
بعد شهر، قعدنا أنا ومحمود قدام المحامي. كان أهدى بكتير وباين عليه التعب.

أنا مش عايز أطلق.. عارف إن ده متأخر، وإني كنت متعود إنك تحلي كل حاجة وبدل ما أحميكي من ضغطهم كنت بزوده. لما وقفتي، كل حاجه وقعت في أسبوعين، وده خلاني أفهم إن اللي كنت بسميه مساعدة كان حمل كامل شايلاه.

ولأول مرة مكنش في تبرير. كمل:

أنا دفعت متأخرات شقة أمي من جزء من استثماري، وعربية ياسمين رجعتها للبنك.

هي وافقت؟

لأ، بس مكنش عندها اختيار.. أمي زعلانة، وياسمين مقاطعتني.

وده مضايقك؟

آه.. بس زعلك إنتِ كان لازم يضايقني من زمان.

مد إيده بورقة فيها اتفاقية وشروط كتبها بنفسه:

مفيش أي التزام مالي تجاه أهلي من حساب سارة.

أي مساعدة تكون باتفاق الطرفين.

محدش يدخل البيت من غير إذن.

أي إساءة لسارة يتم وقفها فورًا.

حسابات البيت مشتركة في مصاريف بيتنا إحنا فقط.

بصيتله: “مين كتب ده؟”

أنا.. لأن لو رجعنا بالكلام بس هنرجع لنفس النقطة. مش بطلب تنسي، ولا بطلب تسامحي فورًا، بطلب فرصة أثبت بالفعل.

كنت في الشهر السادس وقتها، وقلتله: “الفرصة مش معناها إن كل حاجة رجعت زي الأول.. ومامتك وياسمين مش هيدخلوا حياتي بنفس الشكل تاني”.

فاهم.. ولو حسيت إني واقف معاهم ضدي، القرار ليكي.
قعدت أتأمله فترة، وبعدين قلت: “نجرب.. مش علشان خوفت من الطلاق، ولا علشان الطفل، لكن لأن لأول مرة محمود مطلبش مني أتنازل عشان البيت يفضل واقف”.

النهاية

بعد أربع شهور ولدت ابني، ويومها محمود كان واقف جنبي طول الوقت. حماتي بعتت رسالة عايزة تيجي المستشفى، فوافقت بشروط: تيجي كزائرة مش صاحبة قرار، وفعلاً جت وكانت أهدى بكتير. ياسمين مجتش لأني عرفت إنها باعت حاجات كتير لتسديد ديون العربية، أما كريم فالعلاقة بينهم انتهت بعد شهرين لنفس الخلاف المالي.

بعد الولادة بشهر، وأنا بتمسح صور الرحلة القديمة، وقعت عيني على صورة ياسمين وكريم في الدرجة الأولى ومعاها جملة “الدرجة الأولى ليها طعم تاني”.
فضلت باصة للصورة ثواني.. وبعدين مسحتها.
مش لأني نسيت، ولكن لأني خلاص مبقتش محتاجة دليل يثبتلي إني كنت صح.

لأن اللي حصل يومها علمني حاجة واحدة: أوقات كتير، الناس ما بتعرفش قيمة حدودك غير لما تقفل الباب اللي كانوا متعودين يدخلوا منه من غير استئذان.. والغريب إن كل اللي احتجته علشان أفهم ده كان “تذكرة واقفة” لمدة ساعة، افتكروها حاجة صغيرة، بينما كانت بالنسبة لي أول أداة أقرر بيها إني مش هفضل واقفة طول عمري عشان غيري يقعد مرتاح.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى