
أمي اتنقلت للمستشفى في حالة طوارئ بالإسعاف، ولما رحت شقتها عشان أجيب ملفها الطبي والمطبوعات اللي الدكاترة طلبوها، اتفاجئت بحماتي قاعدة في الشقة وبتحط هدومها في الدولاب بكل هدوء!
“أصل الشقة فاضية يا حبيبتي، قلت أهو أقعدلي فيها كام يوم أغير جو.”
ده اللي قالته بكل برود.
ما كلفتش نفسي حتى أرد عليها أو أدخل معاها في نقاش… كل اللي عملته إني طلعت تليفوني وفتحت مكالمة فيديو واحدة، خلت المفاتيح تقع من إيدها على الأرض من الصدمة!
الجزء الأول
“أمك قدامها عشر أيام في المستشفى، معقولة هتسيبي الشقة العمار دي كلها فاضية؟ دي خسارة!”
دي كانت أول كلمة نطق بيها جوزي وحسام وهيئة الإسعاف نازلين بأمي على النقالة من على السلم.
حتى ما سألش هي عاملة إيه أو حالتها إيه!
أمي فاطمة كانت تعبانة جدًا من شدة ألم المرارة، ماسكة جنبها ومش قادرة تتحرك، وشها كان شاحب وعرقانة، وأنا ماسكة شنطتها وبطاقتها بالعافية، والمسعف بيستعجلني عشان نلحق الطوارئ.
وحسام، جوزي؟ واقف على باب الشقة بهدوء غريب.
“مريم… طب وبالنسبة للغدا؟”
بصيتله وأنا مش مصدقة.
“في صينية بطاطس في الثلاجة.. سخنها وكل، وإن شاء الله تعدي الأزمة دي على خير!”
سبته ونزلت بسرعة.
بعد ساعات طويلة في المستشفى من تحاليل وأشعة ومحاليل، الدكتور طمّنّا.
كان عندها التهاب حاد في المرارة، ومش محتاجة إجراء عاجل الحمد لله، لكن لازم تفضل تحت الملاحظة في المستشفى لمدة لا تقل عن عشرة أيام.
أول ما قعدت أريح على كرسي في الممر، تليفوني رن.
دي كانت طنط فريدة، حماتي.
“يا حبيبتي يا مريم.. ألف سلامة على أمك، حسام حكالي.. قلبي عندك يا بنتي، عاملة إيه دلوقتي؟”
تمثيلية القلق دي ما استمرتش كتير.
“قوليلي صحيح… والشقة أخدوا مفاتيحها ولا فاضية؟”
جسمي اتشد من طريقة كلامها.
أمي عايشة لوحدها في شقة واسعة أربع أوض في مكان راقي على النيل، شقة بتدخلها الشمس وبتطل على الخضرة، وكانت لسه مجدداها بفلوس تعبها.
وطول عمر طنط فريدة عينيها على الشقة دي.
“الشقة مقفولة والمفتاح معايا يا طنط.”
“والمفاتيح معاكي؟”
“أيوه.”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“أصل بنبه عليكِ.. الشقق الفاضية محتاجة متابعة، ممكن تحصل مشكلة في المياه أو الكهرباء، أو حد يدخل عليها.. حرام المكان يفضل من غير حد يهتم بيه.”
عديت الكلام وما حطيتوش في بالي…
ودي كانت غلطتي.
يوم السبت الصبح، حسام صحي بنشاط غريب وهو نازل شغله.
“أمك شقتها واسعة وما شاء الله ومحدش فيها، المفروض حد يروح يبص عليها ويتطمن.”
“أنا هبقى أروح.”
“لا.. قصدي حد يقعد فيها الكام يوم دول.”
حطيت الفنجان من إيدي وبصيتله:
“حد مين يعني؟”
بدأ يبص لأي مكان إلا عيني.
“يعني.. أمي صدرها تعبان الفترة دي من تراب الشارع عندنا، والشقة هناك على النيل وهواها كويس.. وصحية ليها.”
ما كنتش مصدقة اللي بسمعه.
“يعني أمك عاوزة تروح تقعد في شقة أمي وهي موجودة في المستشفى؟”
“مش كده يا مريم! أهو ترتاح شوية وتغير جو.. وبعدين هي هتنضف الشقة وتاخد بالها منها.”
“لأ يا حسام.. ده بيت أمي وله خصوصيته، مش مكان للإقامة المؤقتة.”
حسام زعل ودخل الأوضة عشان يكلم أمه.
يوم الأحد، رحت زرت أمي.
كانت الحمد لله أحسن وبدأت تشتكي من أكل المستشفى، وده كان مؤشر كويس إنها بتتعافى.
“وأنتِ راجعة من الشغل بكرة يا مريم، عدي على الشقة، هاتيلي الرواية اللي على الكومودينو، والفايل الأزرق اللي فيه أوراق العمارة.”
وعدتها إن عيوني ليها.
في نفس اليوم بالليل لما رجعت البيت، لمحت حاجة غريبة.
دلاية المفاتيح الخشب اللي على شكل كعبة، اللي متعلقة جنب الباب، اختفت.
دي كانت النسخة التانية من مفاتيح شقة أمي!
رحت لحسام:
“المفاتيح فين يا حسام؟”
“مفاتيح إيه؟”
“ما تستعبطش عليا.. مفاتيح شقة أمي فين؟”
اتنهد وقال:
“أنا أخدتها.. قلت أعدي أهوي الشقة وأفتح الشبابيك.”
“هاتها.”
“بكرة.. أصلها في جاكيت البدلة.”
قربت من الجاكيت وفتشت جيبه…
فاضي!
وهنا كل حاجة اتوضحت.
حسام ماكانش رايح يهوي الشقة.
حسام كان مدي المفاتيح لأمه!
وبينما أمي موجودة في المستشفى، حماتي كانت بتستقر في الشقة وبتحط هدومها كأن المكان بقى حقها!
ما صرختش.
وما عملتش مشكلة.
دخلت الحمام، وفتحت الأسماء ودورت على رقم معين.
رقم الشخص الوحيد اللي طنط فريدة بتحسب له حساب كبير…
أخت جوزها الكبيرة، عمتو كثرية!
عملت مكالمة فيديو.
“ألو؟”
ابتسمت وقالت:
“إزيك يا عمتو كثرية.. أنا مريم. قلت أستأذنك وأعرض عليكِ تيجي تقضي أسبوعين في شقة على النيل في القاهرة عشان تغيري جو!”
على الناحية التانية كان فيه لحظة ذهول، وبعدها سمعت ضحكتها المعروفة.
“يا حلاوة! ده أنا جاية في الطريق يا بنتي!”
وفي اللحظة دي عرفت إن حماتي عملت لنفسها موقف صعب جدًا…
والرد هيكون بطريقتي!
الجزء الثاني
عمتو كثرية كانت عايشة في قرية في الصعيد، وكانت فيها صفات كتير طنط فريدة ما بتحبهاش.
صوتها عالي، بتحب تعرف التفاصيل، ودايمًا لما تنزل القاهرة تقول:
“أنا جاية أطل عليكم ويك إند بس.”
وبعدين تلاقي نفسها قاعدة أسبوعين!
وفوق كل ده، كانت كل مرة تنزل فيها القاهرة بتجيب معاها خيرات البلد: سمنة فلاحي، وفطير، وجبنة قريش، ومش، وشنط كتير تكفي بيت كامل.
من تلات سنين، عمتو كثرية قضت ويك إند واحد بس في بيت طنط فريدة، ولحد النهاردة حماتي بتفتكر الأيام دي بابتسامة متوترة!
“قلتِ لي شقة على النيل ومجاناً يا مريم؟”
“أيوه يا عمتو.. طنط فريدة أصلها قاعدة في مكان تاني الفترة دي.”
“يعني شقتها هي بقت فاضية ومحدش فيها؟”
“فاضية خالص ومحدش بيفتحها.”
“يا حلاوة! أنا كنت نازلة القاهرة بكرة الصبح أساسًا.”
“فاكرة نسخة المفاتيح بتاعة شقة طنط فريدة اللي كانت سابتهالك السنة اللي فاتت؟”
سكتت كام ثانية.
وبعدين ضحكت:
“المفاتيح في جيب جلابيتي لحد النهاردة!”
عضيت على شفتي بالعافية.
“يبقى الاتفاق تم يا عمتو!”
“أنا هجيب معايا سيد ابن أخويا.. أهو ولد كويس وبيحاول يلاقي شغل في القاهرة.”
“يا خبر! يا مرحب بيكم طبعًا. بس في شرط صغير يا عمتو.. طنط فريدة ما تعرفش خالص إنكم وصلتم إلا لما تستقروا في الشقة. عاوزة أعملهالها مفاجأة.”
“سيبيهالي وأنا هظبطلك المفاجأة.”
يوم الاثنين الصبح، نزلت من البيت بحجة إني هروح شقة أمي أجيب الرواية والملف الأزرق اللي طلبتهم مني.
طبعًا حسام كان بيتصرف كأنه مش عارف إن المفاتيح مش موجودة.
أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحت، لقيت جزمة طنط فريدة مرمية في الصالة، وريحة بخور طالعة من الأوضة، وصوت التلفزيون شغال.
دخلت بهدوء، ولقيتها قاعدة في أوسع أوضة نوم في الشقة، حاطة هدومها وملاياتها على السرير، وبتعلق جلبابها في دولاب أمي بكل راحة!
“صباح الخير يا طنط.. منورة الشقة!”
طنط فريدة اتفاجئت، والمفاتيح وقعت من إيدها.
“مـ.. مريم؟! إنتِ إيه اللي جابك دلوقتي؟”
رديت وأنا مبتسمة:
“جاية أجيب ورق لأمي.. بس ما شاء الله، شايفاكي استقريتي وغيرتي المكان كمان! أصل الشقة فاضية طبعًا، وقلتي تقعدي فيها كام يوم تغيري جو.. صح؟”
بدأت تعدل كلامها:
“أصل حسام قال إن الشقة محتاجة تهوية، فقلت أجي أفتح الشبابيك وأهويها وأشيل التراب.. حرام يعني!”
“تمام أوي يا طنط.. تسلم إيدك.”
طلعت تليفوني من الشنطة وفتحت مكالمة الفيديو.
“شفتِ بنفسك يا عمتو كثرية؟ أدي طنط فريدة مقيمة في شقة أمي.. وشقتها هي مقفولة ومحدش فيها.”
صوت عمتو كثرية طلع من الموبايل:
“يسلم فمك يا مريم! إحنا لسه واصلين ونزلنا الشنط، وحطينا المفتاح في باب شقة فريدة والدنيا تمام! معايا سيد، ومعانا خيرات كتير!”
طنط فريدة عينيها اتسعت.
“كثرية؟! كثرية في شقتي أنا؟! ومين اللي فتحلها البيت؟!”
رديت بهدوء:
“إنتِ يا طنط! مش إنتِ سايبالها النسخة السنة اللي فاتت؟ هي دخلت شقتك المقفولة وقالت بدل ما تفضل فاضية، تقعد فيها تاخد بالها منها وتغير جو! زي ما انتِ عملتِ في شقة أمي بالظبط.”
طنط فريدة سابت الهدوم وجريت ناحية الموبايل:
“لا يا كثرية! الشقة مفروشة وفيه حاجات جديدة!”
قفلت المكالمة وأنا بضحك، وبصيت لطنط فريدة:
“قدامك خيارين يا طنط.. يا تفضلي قاعدة هنا في شقة أمي الأيام دي، وتسيبي عمتو كثرية تقعد في شقتك، يا تلمي حاجتك دلوقتي وترجعي بيتك وتجيبيلي مفاتيح شقة أمي.”
خلال دقائق، كانت طنط فريدة لامة حاجتها ونازلة بسرعة، وهي بتتصل بحسام وتحكيله اللي حصل، ورمت المفاتيح في إيدي وهي ماشية.
المواجهة
أول ما طنط فريدة نزلت، كلمت عمتو كثرية وقلتلها:




