عام

حكاية سمر

من حوالي ٣ سنين، ساعدت بنت من بلدنا تجمع فلوس عشان تعمل عملية لأمها، والناس كلها اتعاطفت معاها وبدأت تبعت فلوس من كل حتة، وأنا بنفسي نشرت قصتها كذا مرة وخليت قرايبي يساعدوها، وكنت فاكرة إني بعمل خير وبساعد ست غلبانة تعالج أمها، لحد ما بعد ما العملية خلصت والبنت قالت لنا إن أمها بدأت تتحسن، واحدة من بلدنا سألت سؤال واحد بس، السؤال ده خلاني أحس إن الأرض اتفتحت من تحتي… لأن أم البنت دي كانت ميتة من سنين طويلة!

أنا لحد النهارده مش عارفة البنت دي دخلت شلتنا إزاي بالظبط، أعتقد كانت قريبة واحدة صاحبة واحدة صاحبنا، حاجة كده من اللي بتحصل في بلادنا، ناس تعرف ناس، والناس تقرب من بعض واحدة واحدة، خصوصًا إننا كلنا كنا ساكنين في نفس البلد، فبقت تظهر معانا في القعدات والخروجات، ومع الوقت بقينا نعرفها ونتعامل معاها، بس عمرها ما كانت صاحبتي المقربة ولا أنا كنت أعرف تفاصيل حياتها.

كانت اسمها سمر، بنت هادية ومحترمة في كلامها، ومفيش عليها أي حاجة تلفت النظر، وكانت دايمًا لما حد يسألها عن أهلها تقول إن ظروفهم على قدهم وإنها شايلة مسئوليات كتير.

وفي يوم، دخلت علينا وهي شكلها متبهدل وعينيها حمرا من العياط، وأول ما قعدت قالت لنا إن أمها تعبانة جدًا وإن الدكاترة قالوا إنها محتاجة عملية بسرعة، وإن أهلها مش قادرين يكملوا المبلغ المطلوب.

في الأول كلنا اتأثرنا، خصوصًا إنها كانت بتتكلم بانهيار وبتقول إن الوقت ضيق وإنها خايفة أمها يحصل لها حاجة.

وقالت لنا إنها راحت لدكتور كبير، وإن معاها تحاليل وأشعات وإن العملية لازم تتعمل في أسرع وقت، وإن أهلها جمعوا جزء من الفلوس بس لسه ناقصهم مبلغ كبير.

واحد من أصحابنا قال: “طب ما نعمل لها حملة تبرعات ونحاول نساعدها، يمكن ربنا يجعلها في ميزان حسناتنا.”

وفعلًا، من هنا بدأت الحكاية.

صورنا سمر ونزلنا قصتها على فيسبوك، وكتبنا إن أمها مريضة ومحتاجة عملية وإن الأسرة مش قادرة تكمل المبلغ، وحطينا رقم تقدر الناس تبعت عليه الفلوس.

أنا شخصيًا نشرت البوست كذا مرة، وكلمت قرايبي وأصحابي، وقلت لهم: “البنت دي أعرفها ومش هتطلب مساعدة إلا وهي فعلًا محتاجة.”

والناس صدقتني، لأن أنا كنت اللي ناشرة الكلام، وقرايبي كانوا واثقين فيا، فبدأت الفلوس تتبعت واحدة ورا التانية.

واحد يبعت ٢٠٠ جنيه، واحدة تبعت ٥٠٠، حد يقول مش معايا غير ١٠٠، وحد تاني يبعت ألف ويقول ربنا يشفيها.

والحكاية كبرت بشكل محدش كان متوقعه.

سمر كانت كل شوية تدخل تقول لنا: “لسه ناقص كذا”، وبعدها تقول: “جزاكم الله خير، أنا مش عارفة أشكركم إزاي”، وتحكي لنا إن أمها تعبانة وإنها خايفة عليها، وإنها بتبات جنبها وإنها مش عارفة تعمل إيه.

وبصراحة، إحنا صدقناها.

كنت كل ما حد يسألني: “هي أمها حالتها إيه؟”

أقول له: “ادعوا لها، العملية قربت وربنا يقومها بالسلامة.”

لحد ما في يوم سمر دخلت علينا وهي فرحانة وبتعيط في نفس الوقت، وقالت لنا إنهم أخيرًا جمعوا المبلغ كامل وإن العملية هتتعمل.

كلنا فرحنا لها.

واحدة قالت لها: “ربنا يشفيها ويقومها بالسلامة.”

وواحدة تانية قالت: “أول ما تطلع من العملية طمنينا.”

وأنا قلت لها: “أهم حاجة تطمنينا عليها، إحنا بقينا حاسين إنها واحدة مننا.”

وفعلًا، بعدها بكام يوم دخلت وقالت لنا إن العملية تمت وإن أمها خرجت وإن حالتها بدأت تتحسن.

كلنا حمدنا ربنا، واعتبرنا الموضوع خلص على كده.

بس بعد كام يوم، حصلت حاجة صغيرة جدًا… حاجة محدش فينا كان متوقع إنها هتقلب الموضوع كله.

واحدة من بلدنا شافت المنشورات القديمة بالصدفة، وكانت عارفة عيلة سمر كويس.

دخلت وسألت سؤال بسيط جدًا:

“هو أنتم بتتكلموا عن مين بالظبط؟”

ردينا عليها إن دي أم سمر، وإنها كانت بتعمل عملية.

سكتت شوية، وبعدين قالت:

“أم سمر؟!”

وقالت جملة بعدها خلتني أحس إن الدم اتسحب من وشي…

لأنها قالت إن أم سمر أصلًا متوفية من سنين، وإنها ماتت وسمر كانت لسه طفلة!!

وقتها افتكرنا إن فيه سوء تفاهم، يمكن مرات أبوها، يمكن خالتها، يمكن واحدة ربتها وبتعتبرها أمها…

لكن اللي عرفناه بعدها كان أكبر من أي حاجة ممكن نتخيلها…

اتصلنا بسمر وطلبنا منها تيجي تقعد معانا، وفعلاً جت بعد كام ساعة، لكن أول ما دخلت وقعدت قدامنا، عرفت من وشوشنا إن الموضوع اتكشف، ومفيش فايدة من أي لف ولا دوران.

واحد من أصحابنا قال لها بعصبية:

“سمر، إحنا عايزين نفهم بس… أمك فين؟”

بصت في الأرض وسكتت.

كرر عليها السؤال:

“أمك اللي جمعنا لها الفلوس، واللي قلتي إنها عملت العملية… فين؟”

سمر عينيها اتمَلَت دموع وقالت:

“أمي ماتت من زمان.”

المكان كله سكت.

أنا حسيت إن وداني مش مصدقة اللي سمعته.

قلت لها:

“يعني إيه ماتت من زمان؟! طب والعملية؟ والمستشفى؟ والفلوس اللي الناس بعتها؟!”

مسحت دموعها بطرف إيدها وقالت:

“أنا عارفة إني غلطت… وعارفة إن اللي عملته شكله بشع… بس والله أنا مكنتش بجمع الفلوس لنفسي.”

واحد مننا رد عليها بغضب:

“أمال لمين؟!”

فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت:

“لواحد من البلد.”

سألناها كلنا في نفس اللحظة:

“مين؟!”

قالت:

“مش هقدر أقول.”

وقتها اتعصبنا أكتر، وقلنا لها إن بعد كل اللي حصل لازم نعرف الحقيقة، وإن الناس اللي بعتت فلوس من حقها تعرف فلوسها راحت فين.

سمر فضلت تبكي، وبعد وقت طويل قالت:

“هو شخص إنتوا كلكم تعرفوه… ويمكن عشان كده بالذات مش عايز أقول اسمه.”

بدأت تشرح لنا.

قالت إن من كام شهر، بالصدفة عرفت إن الراجل ده داخل على أزمة كبيرة، وإنه محتاج عملية وعلاج بمبلغ ضخم، وإن كل اللي حواليه فاكرينه مرتاح ومستور، لكن الحقيقة إن معظم فلوسه كانت محطوطة في شغله، وإن الظروف اتعقدت عليه، ومبقاش قادر يوفر تكلفة العلاج.

ولما حاولت تساعده، رفض.

قال لها:

“أنا مش هطلب من حد حاجة، واللي حصل لي ده محدش يعرفه.”

سمر قالت له:

“طب لو أنا ساعدتك؟”

رد عليها:

“ساعديني لو تقدري، بس في السر… أنا مش عايز حد يعرف إني محتاج.”

وقالت لنا إن الجملة دي فضلت ترن في ودانها، لأنها كانت شايفة الراجل ده طول عمره واقف جنب الناس، يساعد ده، ويسند ده، ولو حد احتاج حاجة عمره ما كان يتأخر.

وقالت:

“أنا عارفة إني غلطت لما كدبت عليكم، بس مكنتش عارفة أعمل إيه تاني… لو قلت لكم الحقيقة، كان هيرفض ياخد جنيه، ولو سيبته، كان ممكن حالته تسوء.”

واحد من أصحابنا قال لها:

“طيب والفلوس اللي اتجمعت؟”

قالت:

“معظمها راح في علاجه، ولسه معايا جزء صغير، وكنت مستنية العملية تتم وأرجعهوله لو فضل منه حاجة.”

بصينا لبعض.

لكن لسه السؤال الأهم موجود…

مين الشخص ده؟

سمر فضلت رافضة تقول اسمه، لحد ما واحد مننا قال لها:

“طب على الأقل خلينا نروح له ونطمن عليه.”

سكتت.

وبعدين قالت:

“هو مش عايز حد يعرف.”

قلت لها:

“إحنا عرفنا خلاص، ولو هو فعلًا شخص غالي علينا، مش هنروح نفضحه… هنروح نقف جنبه.”

بعد إلحاح طويل، وافقت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى