منوعات

عهد الشيخ عثمان

​كـ مهندسة، اتعلمت إن المبنى اللي أساسه مغشوش بيبان سليم وشديد.. لحد ما يقع مرة واحدة على دماغ صاحبه. وده بالضبط اللي حصل لما أمي وأبويا استغلوا سفري للبرتغال وباعوا من ورايا البيت اللي جدي كتبهولي، وأخدوا الفلوس عشان يمولوا بيها سفرية رفاهية ودلع لأخويا..
​أبويا بصلّي ابتسامة سخرية وقال لي: “أهو بيتك أخيرًا عمل حاجة مفيدة للعيلة دي.” وأمي كملت بشر: “ما تفكريش إن وجود بيت باسمك بيخليكي أحسن مننا.”
​أنا بس ابتسمت ببرود.. أبويا اتعصب وزعق: “أنتِ هادية كده ليه؟!”
​رديت عليه بكسر عين وهدوء: “عشان المهندسة لما تقرر تهد المعبد.. بتهده بالقانون، ومن غير ما توسخ إيدها.”
​كشغلانتي كمهندسة مدنية، اتعلمت من زمان إن الجاذبية ما بتبصش لورا، وأن أي أساس ضعيف مصيره ينهار. بس لما كملت ثلاثة وثلاثين سنة، عرفت إن أكتر الانهيارات الوجعة ما بتبقاش في الكباري الحديد؛ دي بتبقى جوه بيتك ومن أقرب الناس ليك.
​المكان الوحيد في حياتي اللي كنت بقلع فيه دروع القوة والاستقلالية، كان بيت صفي وصغير سابهولي جدي “عثمان” -الله يرحمه- واختصني بيه لوحدي. فاكرة كويس لما حط المفتاح النحاس التقيل في إيدي وهمس لي: “البيت ده يا ‘نور’ هو العهد اللي بينك وبين نفسك، أوعي تفرطي فيه.”
​عشان كده، لما أمي “سميرة” طلبت مني نسخة من المفتاح ببساطة بحجة “عشان لو المواسير ضربت وأنتِ مسافرة نلحقها”، إديتهولها من غير ما أتردد لحظة. ولما جاتلي فرصة شغل كبيرة هتقلب حياتي المهنية في لشبونة، حضنتني جامد في المطار ووعدتني إنهم هيشيلوا البيت في عينيهم. بغبائي، سلمت الناس اللي طول عمرهم بيغيروا من نجاحي واستقلالي طرف الخيط، وسميت ده “ثقة”.
​في أسبوعي السادس في البرتغال، أمي كلمتني. صوتها كان متوتر وفيه نبرة تصنع غريبة وهي بتقولي إنها جابت “ناس طيبين” ينضفوا الجنينة.
​وفي الأسبوع الثامن.. كل حاجة اتهدت.
​كنت واقفة في كافيه زحمة في لشبونة لما تليفوني هز. كانت رسالة من جارتي وحبيبتي في الشارع، “مدام هدى”.
​ما كانتش رسالة كلام.. كانت صورة.
​صوت الزحمة والناس حوليا اختفى فجأة وحسيت بدوشة وزنة في ودني. في نص الجنينة بتاعة بيت جدي، كانت فيه لافتة خشب ملزوقة بغشامة بتاعة مكتب عقارات، ومكتوب عليها بخط أحمر عريض يوجع العين:
“تم البيع”.
​نفسي اتقطع.. أطرافي اتجمدت وتليفوني كان هيقع مني على الأرض. طلبت رقم مدام هدى وإيدي بترجف بحرقة.
​”مدام هدى…” نطقت بالعافية أول ما ردت، “إيه اللي أنا شايفاه ده؟”
​تنهيدة تقيلة وموجوعة جاتلي من الناحية التانية: “أنا آسفة يا نور يا بنتي.. عربيات النقل وصلت من ساعة. فيه عيلة جديدة بتنقل حاجتها.. وقالوا…”
​سكتت وترددت، كأن الكلام تقيل على لسانها.
​”قالوا إيه يا مدام هدى؟!” زئرت والرعب بياكل في قلبي.
​”قالوا إنهم اشتروا البيت من أباكي وأمك الشهر اللي فات..”
​إحساس بالدوار والصدمة غمرني، نفس الإحساس لما تقع من مكان عالي على مفيش. أهلي ما تعدوش الحدود بس.. دول هدوا كل جدار أمان بيني وبينهم. وأنا باصة لصورة بيتي المغصوب، عرفت إن الحرب بدأت خلاص..
​وأنا محبوسة على بعد آلاف الكيلومترات ورا خطوط العدو.

​مسكت التليفون وإيدي بترجف، ومش قادرة أستوعب حجم الغدر. كان فيه شخص واحد بس على علم بكل تفاصيل أوراق البيت ومكانه.. شخص المفروض إنه أقرب حد ليا بعد جدي.
​أخويا “طارق”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى