
قلبي اتخلع من مكانه وأنا باصة للصورة اللي بعتتها مدام هدى، وشايفة ناس غريبة بتنزل عفشها وتدخله بيت جدي “عثمان”.
وفجأة، مدام هدى كلمتني تاني وصوتها واطي ومذعور: “نور.. فيه عربيتين شرطة وصلوا الشارع حالاً!”
الناس الجداد وقفوا مكانهم، والمشتري نزل الصناديق من إيده وهو شايف الظباط بتقرب وبتقولهم يقفوا بعيد عن باب البيت.
بس الراجل ما كانش خايف.. كان بيبص للظباط ببرود ونرفزة.
سمعت مدام هدى بتقول إنه فتح محفظته وطلع ورقة متطبقة، وقال للظابط بثقة: “البيت ده إحنا اشتريناه بشكل رسمي ودافعين ثمنه بالكامل.. ومعانا عقود مبيعة وموثقة من أصحاب الملك!”
الظابط أخد الورقة وقراها، وبعدها على طول لقيته بيطلب رقمي من مدام هدى ويكلمني بنفسه.
”يا باشمهندسة نور.. الراجل اللي قدامي معاه توكيل رسمي وبيعة شهر عقاري باسمك، وبيقول إنه اشترى البيت من والدك ووالدتك بصفة رسمية.”
صوتت في التليفون: “يا فندم أنا ما مضيتش على حاجة! أنا مسافرة البرتغال بقالي شهرين ومحدش معاه توكيل مني!”
سكت الظابط لحظة، وبعدين نبرة صوته اتغيرت وبقت جادة جدًا: “يبقى لازم ترجعي مصر فورًا يا هانم.. لأن اللي باع البيت ده ما أخدش بس الأوراق القديمة؛ ده معاه أصل ملكية البيت، وصورة بطاقتك الشخصية، وبيانات حسابك البنكي.. وفيه حد جوه بيتك هو اللي سلمهم كل التفاصيل دي!”
في اللحظة دي، الدنيا دارت بيا.. لأن الأوراق دي ما كانتش في البيت.. دي كانت مقفولة في خزنني الخاصة، والمفتاح التاني ما كانش مع أمي وأبويا بس…
كان فيه طرف تاني خالص دخل اللعبة من ورايا، وهو اللي خطط للبيعة دي كلها!
المفاجأة شلت تفكيري.. الخزنة دي ما كانش يوصل لها غير شخص واحد بس.. الشخص الوحيد اللي كان بياخد باله من شقتي في القاهرة وقت سفري.
”شريف”.. خطيبي اللي كنا بنجهز لخطوبتنا بعد ما أرجع من البرتغال!
عقلي رفض يصدق. شريف؟ اللي كنت فاكراه السند وأكتر حد متفهم لطموحي وشغلي؟ اتصلت بيه وإيدي بتترعش.. الخط رن مرة.. اتنين.. لحد ما رد بصوت هادي كأن مفيش أي حاجة حاصلة.
”أهلاً يا نور.. عاملة إيه في لشبونة؟”
سألت بتلعثم وصوت مقطوع: “شريف.. أوراق بيت جدي اللي في خزنني.. وصلت لأمي وأبويا إزاي؟”
سكت لحظة.. السكوت اللي يقطع الشك باليقين، وبعدين تنهد وقال ببرود مرعب: “نور.. أنتي كبرتي الموضوع قوي. طارق أخوكي كان مزنوق في شوية ديون، وأبوكي وأمكي كانوا شايلين الهم. أنتي مش محتاجة البيت ده، وعندك شغلك وفلوسك.. إيه المشكلة لما تقفي جنب أهلك؟”
الدم اتجمد في عروقي: “أنت.. أنت فتحت خزنتي وأديتهم أوراقي يا شريف؟!”
رد بمنتهى البساطة والوقاحة: “أنا عملت الصح اللي هيصلح العلاقة بينك وبين أهلك. وبعدين طارق وعدني إن لما الشركة بتاعته تنجح بالفلوس دي، هيدخلني معاه شريك. إحنا بنبني مستقبلنا يا نور!”
في اللحظة دي، الغشاوة اتمسحت من على عيني تمامًا. الصدمة ما كسرتنيش.. بالعكس، دي ولعت جوايا نار خلاني أسترد هدوئي وشراستي كمهندسة بتبص على منشأ أيل للسقوط ولازم يتهد.
ابتسمت ببرود وقلت له: “بتبنوا مستقبلكم؟ تمام يا شريف.. بس نسيت حاجة صغيرة خالص.”
”حاجة إيه؟” نبرة صوته اتغيرت وظهر فيها القلق.
”نسيت إنك بتتعامل مع مهندسة.. والخزنة اللي أنت فتحتها بالمفتاح، ما كانش فيها الأصول.. دي كانت صور طبق الأصل أنا حطاها عشان أكشف الخاين اللي حولي. والأصل محفوط في البنك.”
سكت وما سمعتش غير صوت نفسه السريع، فكملت بأسلوب حاسم: “والأهم من ده كله.. التوكيل اللي أمي استعملته، أنا كنت لاغياه رسمياً من الشهر العقاري قبل ما أركب الطائرة للبرتغال.. يعني البيعة دي مش بس باطلة، دي جُرم ونصب واختلاس، والشرطة اللي واقفة قدام البيت دلوقتي مع المشتري، مستنية مني إشارة واحدة عشان تقبض على اللي باع.. واللي شركهم!”
قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع رد، وحجزت أول طيارة نازلة القاهرة.
الحرب ما بقتش بس على البيت.. الحرب بقت على شرفي، واستقلالي، وحقي اللي حاولوا يسرقوه باسم “العيلة”!
وصلت مطار القاهرة بعد رحلة طيران حاسيت فيها إن الثواني بتتعد بالساعات. أطرافي كانت باردة بس جوايا نار هادية.. الهدوء اللي بيسبق أي عاصفة.
طلعت من المطار على القسم على طول، وبدلاً من ما أروح بدموع وانهيار، دخلت وأنا ماسكة في إيدي ملف أسود تقيل، فيه أصول العقود، وإلغاء التوكيل الرسمي الموثق بتاريخ قديم، وإثباتات السحب والإيداع.
أول ما دخلت مكتب النائب العام، لقيت المنظر كمل: أبويا، وأمي، وطارق أخويا، وشريف خطيبي اللي وجهه أصفر من الخوف، والمشتري اللي كان هيتجنن ويهدد إنه يوديهم كلهم في داهية.
أمي أول ما شافتني قامت وقالت بتمثيل: “نور! يا حبيبتي تعالي قولي للظابط إن ده موضوع عائلي وبنتفاهم فيه!”
أبويا حاول يستغل سلطته كأب وقال بنبرة حادة: “يا نور اتقي الله في عيلتك! أخوكي كان هيضيع، والبيت ده مالوش لازمة عندك وأنتِ عايشة برة!”
بصيتلهم كلهم واحد واحد.. شريف كان مستخبي ورا طارق ومش قادر يحط عينيه في عيني.
رديت بصوت هادي وواضح يسمعه كل اللي في القاعة: “يا سيادة النيابة.. أنا مش جاية أتفاهم. أنا جاية أقدم بلاغ رسمي بالتزوير، واستخدام توكيل ملغي، والتعدي على ملكية خاصة، والسرقة بالترصد.”
طارق صرخ: “أنتِ بتسجني أهلك عشان شوية حيطان يا مفترية؟!”
بصيتله بابتسامة ساردة وقلت: “لا يا طارق.. أنا مش بسجن أهلي عشان حيطان. أنا بحمي نفسي من ناس استغلوا طيبتي ووثوقي فيهم، وافتكروا إن استقلالي ضعف وممكن يتسرق.”
النيابة تحفظت على الأوراق، وبناءً على التوكيل الملغي والمستندات المزورة، صدر قرار فوراً بتوقيف طارق وشريف بتهمة النصب والتزوير، والتحفظ على أبويا وأمي للتحقيق.
المشتري أخد فلوسه من الحسابات اللي اتجمدت لأخويا وشريف قبل ما يهربوا بيها، وبيت جدي “عثمان” رجعلي رسمياً، والشرطة سلمتني المفتاح النحاس التقيل تاني.
وقفت قدام البيت بعد ما الكل مشي.. الشارع كان هادي، والجنينة رجعت نضرة زي ما جدي سابها. مسكت المفتاح النحاس في إيدي، وابتسمت وأنا بفتكر كلمته: “البيت ده يا نور هو العهد اللي بينك وبين نفسك.”
أنا ما خسرتش أهلي في اليوم ده.. أنا بس كسرت الأساس المغشوش، وبنيت حياتي على نظافة.
تمت




