منوعات

أنفاس تحت الأرض

“الكل افتكر بنتي بتعيط على أبوها المتوفي.. لكن لما نزلت بجسمها على جثته وحطت ودنها على قلبه، طلعت بوش أصفر وقالتلي: ‘هو ليه بابا بيتنفس يا أمي؟!’. في اللحظة دي بس، اتفتحت الشاشة المضيئة لتليفون عمها بالسر اللي حاول يخفيه وراء رحيله المفاجئ!”

 

الطفلة اللي رفضت تبعد لمدة سبع ساعات كاملة، كانت بنتي الصغيرة “مريم” اللي عندها تمان سنين قاعدة جنب الكفن والجثمان بتوع أبوها، من غير ما تطلب أكل، ومن غير ما تروح تلعب مع ولاد عمها اللي كانوا قاعدين في المطبخ بيهزروا بصوت واطي، ومن غير حتى ما تنزل منها دمعة واحدة من الدموع اللي الكل كان مستني يشوفها من طفلة في سنها بيتقالها إن بابا خلاص مش هيرجع تاني.
ودا كان أول شيء يخوفني وتقلق منه أي أم.
“مريم” بنتي عمرها ما كانت بتسكت لما تخاف. لو كان صوت الرعد يهز الشباك، كانت تجري تترمي في حضني على السرير وتفضل تتكلم لحد ما الشمس تطلع. ولو اتخربشت خربوش صغير في ركبتها، كانت تصرخ وتعيط قبل حتى ما تبص على الجرح. ولو حست إني أنا وأبوها مخبيين عنها حاجة، كانت تفضل تسأل وتدقق كأنها وكيل نيابة!
لكن في الليلة دي، وجوه بيت حماتي الكبيرة في بيت العيلة القديم، “مريم” ما عملتش أي حاجة من دول خالص.
كانت مجرد واقفة وبتبص على وش أبوها وبس.
جوزي “طارق”، كان راجل في الأربعين من عمره، مليان حيوية ونشاط، ومواظب على الرياضة والمشي كل يوم الصبح بطريقة غريبة، من نوعية الرجالة اللي تقرأ المكونات اللي على علبة البسكويت قبل ما تشتريها من كتر اهتمامه بالصحة. وقبل أقل من يومين، جالي خبر إنه اتعرض لأزمة صحية مفاجئة وهو بيمر على مخازن التبريد بتاعة شركة العيلة.
وعلى ما وصلت المستشفى الخاص الصغير اللي نقلوه عليه، كان الدكتور بلغني إن “طارق” فارق الحياة وخلاص مفيش أي علامات حيوية.
كل حاجة بعد اللحظة دي مشيت بسرعة تخوف.
أخوه الكبير “هشام”، هو اللي تولى كل إجراءات الغُسل والدفن والمقابر قبل ما ألحق حتى أستوعب وأعرف هشرح الموضوع إزاي لمريم. قال لي إنه بيحاول يشيل عني الحمل والإجراءات عشان عارف إني مصدومة، وساعتها كنت ممتنة ليه جداً وسبته يتصرف في كل حاجة.
لكن دلوقتي، وأنا قاعدة في الصالة وسط ضيوف العزاء وصوت التلاوة، والجارات بيهمسوا وقرايبنا رايحين جايين بصواني القهوة والشراب اللي محدش لمسها، بدأت أسأل نفسي: هو أنا اتلخبطت وافتكرت الرغبة في السيطرة والتحكم نوع من أنواع الجدعنة والحنية؟
على الساعة حدعشر ونصف بالليل، قربت أخيرًا من “مريم”.
كانت واقفة جنب الجثمان، إيديها الصغيرين ماسكين في طرف الخشب جامد.
حطيت إيدي بالحنية على كتفها وقلت لها: — “يا حبيبتي، تعالي اطلعي معايا فوق استريحي شوية، أنتِ تعبتي.”
ما لفتش وشها ليا، وقالت بصوت هادي: — “لا يا أمي.”
— “بس أنتِ واقفة هنا طول الليل يا مريم.”
عينيها فضلت متثبتة على وش طارق: — “عارفة.”
وطيت عليها أكتر وقلت لها بصوت واطي: — “يا حبيبتي بابا خلاص بين إيدين ربنا ومستريح دلوقتي.”
ساعتها بس لفت وبصلتي.
كان فيه نظرة هدوء تخوف وتجمد الدم في العروق في عينيها.
وقالتلي: — “لا يا أمي.. مش مستريح.”
حسيت بوجع ومغص في بطني من القلق، وسألتها: — “قاصدة إيه يا مريم؟!”
بصت لأبوها تاني وقالت بثبات: — “لسه مش عارفة.”
“لسه”! طفلة عندها تمان سنين بتقول كلمة “لسه”!
وفجأة افتكرت أخر مكالمة والحوار اللي دار بيني وبين طارق قبل ما ينزل ويروح المخزن.
كنا بنوضب المطبخ بعد العشا، وفجأة وقف جنب الحوض وقال لي بنبرة عادية كأنه بيعدي كلام: — “لو هشام جابلك أي أوراق تخص الشركة الأسبوع ده يا سارة، إياكي توقعي على أي حاجة لحد ما أتكلم معاكي الأول.”
ساعتها ضحكت وقلت له: — “هو أنتوا متخانقين على إيه تاني المرة دي؟”
طارق نشف إيديه بالفوطة بشويش وقال: — “مش عارف إن كنا متخانقين ولا لا.. أنا بس بتأكد من حاجة.”
— “بتتأكد من إيه؟”
باس رأسي وقال: — “غالباً ولا حاجة.”
طارق كان بقاله 12 سنة بيقولي كلمة “غالباً ولا حاجة” دي.. وكانت دايماً بتطلع وراها مصيبة أو موضوع كبير!
ودلوقتي هو نايم قدامي، وهشام أخوه كان جه سألني مرتين في وسط العزا إن كان يصح ياخد توكيل يتصرف في أسهم طارق في الشركة لحد ما أكون قادرة أتعامل مع الأوراق القانونية والورثة.
وفجأة.. كل الكلمات والحوارات دي بقى ليها معنى تاني خالص يخوف!
الساعة كانت إحدى عشرة وسبع وتلاتين دقيقة بالليل، لما لفت نظري فجأة ساعة الإيد بتاعة طارق.
كانت ساعة فضية بسيطة، “مريم” كانت ساعدتني زمان في اختيارها عشان نهديهال في عيد جوازنا. افتكرت كويس إني شفتها في المستشفى لما الدكتور سابني معاه كام دقيقة لوحدي بعد ما بلغوني بالوفاة.. يومها صورت إيده بالكامل من غير ما أفكر، يمكن عشان كان فيه جزء جوايا مش مصدق ومحتاج إثبات إني كنت واقفة جنبه فعلاً.
في الصورة دي اللي كانت على تليفوني، الساعة كانت واقفة على 4:13.
دلوقتي الساعة كانت بتشير لـ 11:37!
وعقرب الثواني كان بيلف وبيتحرك عادي جداً!
كنت عارفة ومدركة إن ساعة شغالة مش دليل قاطع على أي حاجة تخص حالة طارق الصحية، لكنها كانت بتقولي حاجة مهمة جداً عن الطريقة اللي اتعاملوا بيها مع جثمانه وتجهيزه!
واضح إن فيه إجراءات عادية وطبيعية كتير في الغُسل والتجهيز ما تمتش أصلاً!
هشام كان قايلي قبلها إن طارق كان دايماً بيوصيه إن لو جراله حاجة، كل حاجة تتجهز ببساطة ومن غير تعقيد، وعشان كده هو اتصل بمغسل ومكتب تجهيز جنازات صغير تبع واحد صاحبه أمهدله الموضوع.
ساعتها، أنا صدقت كلامه ووافقت.
لكن دلوقتي.. قعدت على ركبتي جنب مريم وبصيت في عينيها: — “قوليلي يا مريم.. أنتِ مركزة وبتبصي على إيه من بدري؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى