منوعات

أنفاس تحت الأرض

شفايفها انكمشت وقالتلي بقلة حيلة: — “هتقولي عليا بتخيل يا أمي.”
— “جربي وقوليلي، أوعدك هصدقك.”
شاورت بإيديها الصغيرين على الناحية اللي تحت مناخيرها بالظبط وقالت: — “بابا ساعات بيتحرك هنا يا أمي..”
برقت ليها وقلت بصوت مشحون: — “بيتحرك إزاي؟!”
— “حاجة بسيطة خالص.. حركة صغيورة.”
وقبل ما ألحق أسألها أي سؤال تاني، ظهر هشام أخوه فجأة ورايا وصوته قطع كلامنا: — “سارة.. الموضوع ده زاد عن حده أوي صراحة.”
صوته كان هادي ومتحكم، بس مفيش فيه أي حنية أو رحمة: — “مريم لازم تطلع تنام دلوقتي، العيلة كلها بتتكلم.”
قمت ووقفت وقبل ما ألف له قلت: — “سيبنا دقيقة واحدة يا هشام.”
— “البنت واقفة هنا بقالها ساعات متثبتة وبتبص على جثة أبوها! ده مش صح ولا طبيعي لبنت في سنها!”
يمكن كان عنده حق.. في الظروف العادية، يمكن كنت وافقته وسكت.
بس الظروف العادية اختفت وانتهت تماماً من اللحظة اللي مريم قالتلي فيها إنها شافت حركة!
وقبل ما أنا أو هشام نلحق نتحرك أو نمنعها، مريم جابت كرسي وسحبته جنب الجثمان، طلعت عليه بسرعة، ورفعت رجلها الصغيرين بشويش ونزلت بجسمها كله جنب أبوها وجت فوقه!
ناس كتير من القاعدين في العزا شهقوا بصوت عالي! وحماتي نادت عليها بصوت مرعوب: “مريم! يا بنت تعالي هنا!”
هشام أخد خطوة سريعة وقرب بغضب وقال: — “نزلي البنت دي من هنا فوراً!”
مسكت دراعه بقوة ووقفته مكانه وقلت له بثبات يوقف الدم في العروق: — “استنى عندك.. ولا خطوة كمان!”
الصالة كلها سكتت. صوت القرآن اللي شغال في الخلفية كان الصوت الوحيد اللي مالي المكان، وكأن الزمن وقف عند اللحظة دي.
مريم ما اهتمتش بصراخ حد ولا بشهقات القرايب. ميلت بجسمها الصغير بالكامل، ونزلت على وش أبوها، وحطت ودنها الشمال على صدره مباشرة فوق قلبه.. وقفت كاتمة نفسها تماماً لثواني معدودة.
هشام حاول يشد دراعه من إيدي وهو بيزعق بصوت واطي ومخنوق: — “أنتِ اتجننتِ يا سارة؟! البنت بتهين حرمة الميت أمام الناس! نزليها بدل ما أنزلها أنا بنفسي!”
مسكته بقوة أكبر وقلت له بصوت حاد وزي السكينة: — “لو قربت منها خطوة واحدة يا هشام.. هنسى إنك أخوه!”
في اللحظة دي، مريم رفعت رأسها بشويش.
وشها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها متوسعة على آخرها من الصدمة والذهول. بصتلي وهي بترتعش، والشفايف الصغيرين بيتحركوا بالعافية: — “هو ليه بابا بيتنفس يا أمي؟! صدره بيطلع وينزل تحت ودني.. وقلبه بيدق دقات بطيئة أوي!”
الكلمة نزلت على القاعة زي الصاعقة! حماتي صرخت وحطت إيدها على قلبها، والناس بدأت تتوشوش وتتحرك من أماكنها بذهول.
أنا جمدت في مكاني. عقلي اتوقف عن التفكير. في نفس اللحظة اللي كانت إيدي رايحة لتليفوني عشان أتصل بالإسعاف فوراً، رن تليفون هشام بصوت نغمة إشعار مرتفع هز الهدوء الموجود.
هشام ارتبك بشكل مرعب، جاب التليفون بسرعة من جيبه عشان يطفيه، بس حركة إيده المترددة خلت الشاشة تضئ وتتحول ناحيتي بالظبط.
رسالة نصية على الشاشة المضيئة من رقم غير مسجل، القراية كانت واضحة جداً ومش محتاجة تفسير: “الخطة اللي اتفقنا عليها بتبدأ تتراجع بعد 48 ساعة.. خليهم يخلصوا الإجراءات بسرعة قبل ما يصحى وسطهم ويتكشف كل حاجة وتضيع الشركة!”
بصيت على الشاشة.. وبعدين رفعت عيني وبصيت في عين هشام.
وشه بقى باهت، وعينيه أبدت الخوف الحقيقي لأول مرة.
مسكت تليفوني فوراً وطلبت رقم النجدة والإسعاف وأنا بصرخ بأعلى صوت في الصالة: — “محدش يخرج من البيت ده! جوزي عايش ومظلوم.. وأخوه دبر مؤامرة عشان ياخد الشركة!”
هشام حاول يجري ناحية الباب، بس اتنين من ولاد عمهم سدوا عليه الطريق بعد ما سمعوا كلام الرسالة ورؤية مريم!
خلال دقايق، كانت عربيات الإسعاف والشرطة ماليين المكان. الدكاترة دخلوا يجروا بالأنبوبة والأكسجين، وبدأوا يعملوا إنعاش سريع لطارق اللي تبين إنه كان في حالة استرخاء شديد غير طبيعي قللت ضربات القلب والأنفاس لأقل معدل ممكن، بحيث يبدو لأي شخص عادي أو غير متخصص كأنه فارق الحياة!
نقلوا طارق فوراً على العناية المركزة في المستشفى الجامعي، وتلقى الرعاية اللازمة عشان يسترد وعيه بالكامل، بينما الشرطة أخدت هشام والتحريات بدأت فك أسرار المؤامرة.
بعد 24 ساعة من التوتر والدعاء والدموع، طارق فتح عينيه في العناية المركزة.. أول وش شافه كان وشي ووش مريم اللي كانت ماسكة إيده ورافضة تسيبها.
التحقيقات كشفت المصيبة كاملة: سر المخازن: طارق كان اكتشف إن هشام بيستغل مخازن التبريد بتاعة الشركة في أنشطة غير قانونية وتزوير أوراق ملكية الشركة عشان يستولى على نصيب طارق.
الخطة الخبيثة: لما هشام عرف إن طارق بدأ يفتش وراه وهيبلغ السلطات، اتفق مع جهات مأجورة لإبعاده عن الوعي مؤقتاً وبصمه وهو فاقد لتركيزه على تنازل كامل عن الأسهم والممتلكات، وإيهام الجميع بوفاته قبل ما السر ينكشف!
المكافأة والعدالة: هشام ومن ساعده أخدوا عقابهم القانوني الرادع والتهم وجهت ليهم بالتزوير والاحتيال ومحاولة الاستيلاء على الممتلكات.
رجعت الحياة لبيتنا من جديد، وطارق حضن مريم وهو بيبكي وقرأ الفاتحة بنية الشكر لله على نعمة الحياة.
طفلة عندها 8 سنين بحدسها ونباهتها، وحبها الصادق لأبوها، كانت السبب بعد ربنا في إنها تنقذ روح أبوها، وتكشف الحقيقة اللي حاول عمها يدفنها مع أخوه!
تمر الأيام والبيت يرجع يدفى من تاني وصوت طارق يرن في أركانه. مريم كبرت في نظري ونظر أبوها، ما بقتش مجرد طفلة، بقت هي “الملاك اللي رد فيه الروح”.
طارق استرد صحته بالكامل، وغير كل أوراق الشركة، وسحب كل صلاحيات عيلته اللي خانت الأمانة، وحط ملكية كل حاجة باسم مريم واسمي، عشان يضمن إن ما حدش يقدر يمسنا بأذى لو جراله أي حاجة في يوم من الأيام.
أما هشام، فكان جزاؤه المحاكمة والمساءلة القانونية هو واللي ساعدوه، والسر اللي حاول إخفاءه ارتد عليه وهدم خططه بالكامل.
في ليلة من الليالي، كنا قاعدين بنشرب شاي في البلكونة، ومريم كانت نايمة في حضن أبوها وهاديين تماماً. بصلي طارق وابتسم وهو بيملس على شعرها وقال لي: — “عارفة يا سارة.. لولا نباهة البنت دي، وحنيتها اللي خلتها تنزل تحط ودنها على صدري، كان زماني دلوقتي في طريق تاني خالص ومحدش حاسس بيا.”
رديت عليه وأنا ببتسم وبحمد ربنا من كل قلبي: — “سبحان من يحيي العظام وهي رميم.. ربنا جعل حبها ليك سبب عشان تنقذ حياتك، وتكشف الظلم قبل ما يفوت الأوان.”
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى