
رفع مدحت الكاميرا بتاعته، والفلاش جاهز يجهر العيون: «يا نورهان يا حبيبتي، مين دي؟ واحدة تايهة ولا إيه؟»
في اللحظة دي، قلبي وقف لثانية واحدة.. كنت مستنية بنتي تحضن إيدي وتفخر بيا قدامهم وتقول “دي أمي”. بس بدل ده، لقيتها رجعت لورا ووشها اتخطف وبقى زي القماش الأبيض.
ضحت نورهان بضحكة هستيرية وهي بتهرب بعينيها مني: «أوه يا عمي مدحت.. دي.. دي الدادة القديمة بتاعتي! الحاجة مريم. كانت ماشية خلاص.»
الدادة القديمة بتاعتي!
عشان تداري كسوفها قدامهم، ضربت إيدي بالراحة كأنها بتطرد دبانة. إيدها خبطت في صوابعي المتلجة، فالعلبة الصغيرة اللي كنت ماسكاها وقعت مني على الرصيف.. اتفتحت ووقع منها الشال الكشمير الكحلي الهادي، الشال اللي قعدت أطلّع عيني في غَزْله وتطريزه 3 شهور كاملين عشان أهديهولها.. وقع في وسط طين المطر والزيت اللي في الشارع.
ميادة – حماتها – حاطة رجل على رجل، ولا حتى كلفة نفسها تبص تحتها وهي بتدوس بكعب جزمتها الرفيع فوق الشال وتغرزه أكتر في الطين المطر. ابتسمت بلؤم وقالت: «يلا يا حجة مريم.. اتكلي على الله شوفيلك حتة تانية.»
شاور فاروق – حما بنتي – بإيده للعمال عند باب الفندق: « أمن! تعالوا نزلوا الست دي من هنا، واقفة بتضايق عيلتنا ومظهَرنا قدام الناس.»
جايين اتنين أفراد أمن أطوال وعِراض من ورا الأبواب الزجاجية للفندق الفخم ده.. الفندق اللي ملك شركتي أنا بالكامل!
ما صرختش.. ولا اتكلمت بعصبية. ببال رايق ومديت إيدي في جيب البالطو، وطلبت السرعة لـ “رأفت”، المدير العام للفندق.
«رأفت.. أنا واقفة قدام باب الفندق بره، وأفراد الأمن بتوعك نازلين فيا طرد.»
دقيقتين بالظبط، وصوت الأسانسير رن. رأفت نازل بيلثت وبيجري بيلحق نفسه عبر صالة الرخام الكبيرة، زق فاروق وخرج بره في البرد والمطر.
فاروق قال بثقة وغرور: «عظيم يا رأفت! طلع الست دي بره وأعدمها الوجود من هنا.»
رأفت ما أداهوش أي اهتمام.. بَصّ لي أنا الأول، وبعدين بَصّ تحت لرجل ميادة وهي دايسة على الشال الغالي المترمّي في الطين. فكه اتشنج من كتر الغيظ كأنه هيتكسر.. ولَفّ بطريقة بطيئة لـ فاروق، والجملة اللي قالها بعدها سكتت الشارع كله باللي فيه…
«أمن.. ارجع لورا! اثبت مكانك أنت وهو.. فوراً!»
صوت رأفت هزّ برودة الليل زي ضربة رعد مفاجئة.
الاتنين بتوع الأمن اتسمروا في مكانهم ومحدش فيهم قدر يخطو خطوة ثانية. وفي ثواني، موظفي الاستقبال وكبار المديرين خرجوا بيجروا في المطر والبرد، ووقفوا في طابورين منظمين على جنبين الرصيف المبلول احتراماً وتأهباً.
فاروق ابتسم بنصر ولؤم، وعدّل أكمام البدلة التوكسيدو بتاعته بمنتهى التكبر والغرور: «أخيراً يا رأفت! نظفوا المكان من الست دي عشان نعرف ندخل نتعشى ونتبسط.»
رأفت ما أدالوش أي اعتبار، وعدى من جنبه كأنه هواء مش شايفه اصلاً. مشي بخطوة عسكرية ناحيتي، ووقف قدامي بالظبط، ووطى ظهره وباس ركبتيه في انحناءة احترام تقيلة بنسبة 90 درجة. ووراه، كل طاقم الفندق بالزي الرسمي انحنوا في نفس اللحظة بنظام وهيبة تخطف الأنفاس.
الابتسامة المغرورة اللي كانت على وش ميادة تبخرت في الهواء. ونورهان شهقت بصوت عالي، ومسكت في دراع جوزها برعب وركابها خبطت في بعضها ورجليها ما بقتش شايلاها بالفستان.
قال رأفت بصوت قوي وواضح يرن في المكان كله رغم صوت الهوا والمطر: «أهلاً بحضرتك يا مدام مريم.. نورتي فندقك. بصفتك المالك الأول والمؤسس لمجموعة شركات “نور الدين الفندقية”، المكان ده كله ملكك وتحت أمرك. تحبي أخلي الأمن يطرد الضيوف دول بره المكان حالاً؟»
وش فاروق اتخطف والدم هرب منه، وبقى لونه زي الرماد. ونورهان بصلتي برعب حقيقي وعينيها زي المجنونة.. لسه مستوعبة الكارثة اللي عملتها؛ إنها أنكرت أمها المليارديرة وقالت عليها “دادة”، وأن الحساب العسير جايلهم كلهم ومش هيسمّي على حد…
السكون غطى المكان بالكامل.. حتة المطر والصوت العالي اختفوا فجأة قدام هول الصدمة.
فاروق اتلعثم والكلمات تهت في بؤه: «رـ رأفت.. انت بتقول إيه؟ دي.. دي دادة! أكيد فيه غلط!»
رأفت لف له بنظرة حادة زي السيف وقال بنبرة تقطع الخلفية: «أستاذ فاروق، الست اللي انت بتغلط فيها دي هي الحاجة مريم نور الدين.. المالك الأساسي للبرج ده ولأكثر من 15 فندق مجاور، وبناءً على أوامرها، شركتك كان المفروض تمضي عقد توريد بمليارات بكره الصبح معانا.. بس الظاهر العقد ده بح!»
ميادة – حمات بنتي – ايديها كانت بترتعش وهي بترفع رجلها بسرعة من فوق الشال المترمي في الطين، ووشها يجيب ألوان.
نورهان رميت نفسها تحت رجلي والدموع مغرقة وشها: «يا أمي.. سامحيني! أنا.. أنا كنت خايفة من شكلنا قدامهم! والله ما كنت أقصد.. يا أمي أرجوكي!»
بصيت لبنتي بنظرة هادية جداً.. نظرة وجع أعمق من أي كلمة عتاب. ما زعقتش وما رفعتش صوتي. هديت خالص ومسكت الشال المغرق بالماية والطين من الأرض، وقفت بكل كبرياء وقافلة على نفسي.
«اللي ينكر أصله عشان شوية مظاهر فارغة يا نورهان.. ما يستاهلش يكون له أصل.»
بصيت لـ رأفت وقلت له بصوت ثابت:




