
«رأفت.. الغي العقد مع شركة أستاذ فاروق فوراً. والضيوف دول يتقفل حسابهم ويتفضلوا بره الفندق، ومش عايزة أشوف وش أي حد فيهم في أي منشأة تابعة ليا مدى الحياة.»
فاروق وقع في الأرض من هول الكارثة اللي حلت على بيته وشركته، ونورهان بتبكي بحرقة وهي شايفاني بلف ظهري وبدخل الفندق مع رأفت، والجميع وافقين صفين بيضربوا لي تعظيم سلام.
في الليلة دي.. هما خسرت كل حاجة بسبب الغرور، وأنا استرديت كرامتي اللي ما تتشرى بفلوس الدنيا.
مشيت جوه صالة الفندق الفخمة، وصوت كعبي بيضرب في الرخام بثبات، ورأفت ماشية جنبي خطوة بخطوة وهو بيدي تعليماته للعمال.
ورايا، كان صوت العياط والصريخ جاي من الشارع.. فاروق ماسك في دراع رأفت وبيترجاه: «يا رأفت بيه! عشان خاطر ربنا كلمها.. شركتي هتفلس! البيعة دي لو تمت هنروح في داهية!»
ورأفت بصه بمنتهى البرود وشاور للأمن: «بره الفندق.. فوري.»
طلعت للأجنحة الملكية فوق، وقعدت قدام الشباك الكبير المطلع على المدينة كلها. الشال المبلول طين كان محطوط قدامي على التربيزة. فتحت شنطتي وطلعت منها العلبة المذهبة اللي كان فيها المفتاح الذهبي للفيلا الجديدة اللي كنت شاريها لنورهان وجوزها بمناسبة جوازهم.. هدية العيد اللي كنت جايا أسلّمهالهم بإيدي.
رميت المفتاح في الزبالة بمنتهى الهدوء.
بعد نص ساعة، التليفون رن.. كان طارق، جوز نورهان وابن فاروق.
رديت عليه، وكان صوته بيرتعش وبيعيط زي الأطفال:
«يا طنط مريم.. أرجوكي افهميني، أنا مكنتش اعرف! نورهان هي اللي قالتلي إنك الدادة! هي اللي كانت مكسوفة تقول إن أمها ست بسيطة وبتحجب وبتمشي بأسلوب بلدي! أنا مظلوم يا طنط، بابا هيترمي في السجن وشركتنا هتفلس!»
ابتسمت بسخرية وقُلتله:
«عارف يا طارق؟ الكارثة مش إنها اتسحت من أمها.. الكارثة إنك أنت وأهلك صدقتوا ومشيتم وراها، ودوستم على الشال اللي غزلته بإيدي. اللي يبيع أمه عشان مظهر، يبيعك أنت بكرة عشان مصلحة. ودلوقتي.. القضاء هو اللي يحكم بيننا في فلوس التجارة اللي كانت بيننا.»
قفلت السكة في وشه، وطلبت رأفت:
«رأفت.. بلغ المحامين يرفعوا قضية حجر واسترداد لكل الأصول اللي سجلتها باسم بنتي نورهان السنة اللي فاتت. ومن بكره الصبح.. اسم “مريم نور الدين” يتشال من أي ورقة يربطني بيهم.»
في الليلة دي، نورهان وقفت تحت المطرة قدام باب الفندق 3 ساعات ودموعها مغرقة وشها، تحاول تدخل أو الأمن يعديها.. بس الأمن اللي كانت عايزه تطردني بيه، هو نفس الأمن اللي منعها تحط رجلها جوه أملها الأخير.
القرش بيترد، والمظاهر بتروح.. بس صلة الرحم والكرامة، لو انكسروا.. مفيش ملايين الدنيا تقدر ترجعهم.
عدّت ست شهور على الليلة دي.. ست شهور والحياة اتقلبت رأسًا على عقب للي افتكروا إن الفلوس والمظاهر بتحمي من غضب ربنا وجفاء الوالدين.
شركة فاروق أعلنت إفلاسها رسميًا بعد ما البنوك سحبت التسهيلات وسحبت المحامين بتوعي كل الاستثمارات. نورهان وطارق اطلّقوا بعد ما المشاكل أكلت بينهم، وبقت تلاحقها ديون ومصاريف القضية اللي رفعتها عشان أسترد أصولي.. كل الشقق والشهادات اللي كتبتهم باسمها زمان، رجعوا للست اللي نكرتها قدام الناس.
في يوم هادي، كنت قاعدة في مكتبي في الدور الخمسين. الباب خبط ورأفت دخل، وشكل وشوشته فيها تردد:
«حاجة مريم.. الدكتورة نورهان واقفة تحت في الاستقبال. بقالها 4 ساعات رافضة تمشي، وبتقول مش ماشية غير لما تبوس إيد حضرتك، حتى لو الأمن هيطلب لها الشرطة.»
سكتّ شوية.. الموقف كان يعصر القلب، بس الدرس كان لازم يكتمل.
«خليها تطلع يا رأفت.. بس لوحدها.»
بعد دقائق، دخلت نورهان.. ما بقاش فيها نقطة من العياقة ولا الغرور بتاع زمان. لابسة عباية بسيطة ووشها شاحب والهالات السودا تحت عينيها خافيه كل جمالها. أول ما شافتني، اترمت على الأرض عند رجلي وبكت بصوت يقطع القلب:
«سامحيني يا أمي.. والنعمة الشريفة جائعة وبموت في اليوم ألف مرة. طارق رماني، وناسي اتبروا مني، والناس في الشارع بقوا يشاوروا عليا ويقولوا دي اللي باعت أمها عشان مظاهر فارغة.. أنا اتدمرت يا أمي، أرجوكي اغفريلي!»
بصيت لها وقلبي يتنعصر، بس قسيت نفسي عشان أربيها من جديد:
«قومي يا نورهان.. اقفي على حيلك.»
وقفت وهي بترتعش، فتحت الدرج وطلعت منه الشال الكشمير الكحلي.. كان مغسول ومتنظف، بس أثر الكعب بتاعه لسه باين في الغرز بالراحه.
«شايفة الشال ده؟ الغرزة المقطوعة دي هي اللي أنتِ عملتيها في قلبي.. الفلوس والعز اللي خدته منك رجعته، بس كرامتي وحق أمومتك مش هيترمموا ببوسة إيد.»
سحبت شيك بمبلغ صغير يكفيها تعيش بيه مستورة في شقة بسيطة، وحطيته قدامها:
«ده أكل عيشك بالعدل.. تصرفي منه بالمعروف، وتشتغلي وتعتمدي على نفسك. مش هسيبك تجوعي لأن ربنا أمرني بالبر، بس مكانتك في قلبي وفي بيتي.. دي اللي أنتِ رميتيها في الطين بنفسك، ومش بترجع في يوم وليلة.»
نورهان أخدت الشيك والشال، وبكاء التوبة طالع من أعماقها، وعرفت إن أكبر عقاب مش الفقر.. عقاب الروح لما تكتشف إنها باعت الجنة تحت أقدام الأمهات عشان شوية تراب.
تمت



