منوعات

بنت ماركوس سليم

​— “لا يا فندم.. دي مجرد حقيقة هتعرفها قريب جداً.”
​سبته ومشيت بخطوات ثابتة ناحية مقدمة الطيارة.. وإليزابيث مشيت وراها وهي حاسة بقلق غريب من نظرة عين البنت.
​زينة طلعت تلفونها.. فتحت جهات الاتصال على رقم واحد بس، رقم باباها اللي وصاها ما تستخدموش أبداً إلا في أقصى الظروف وأصعبها لو واجهت أي خطر أو إهانة وهي مسافرة لوحدها.
ضغطت على الاتصال.. وفي أقل من ثانية، جه الصوت الدافئ الحنون:
— “أهلاً يا زينة.. خير يا حبيبتي، طمنيني وصلتي؟”
​وبصوت يملكه التماسك بس مليان قهر طفلة مظلومة:
— “بابا.. فيه راجل أخد مكاني في الطيارة ورافض يقوم، وقال إني ما أستاهلش أكون هنا.”
​سكت الأب ثواني معدودة.. ثواني كانت كفيلة تغير وجهة الكون:
— “إنتي كويسة يا زينة؟ حد أذاكي؟”
— “أنا كويسة يا بابا.. المضيفة حاولت تساعدني بس هو متمسك بمكاني وبيقل مني.”
​صوت الأب نزل هادئ، بس نبرته كانت مرعبة وحازمة:
— “طيارة كام؟”
— “الرحلة 212.. نيويورك للندن.”
— “وهو لسه قاعد في مكانك؟”
— “أيوة يا بابا.”
​جه صوت الأب الأخير قاطع زي السيف:
— “خليكي مع المضيفة.. واقفلوا باب الطيارة حالاً.”
​في اللحظة دي بالضبط.. قدام باب الطيارة الرئيسي اللي كان هينقفل ويبدأ التحرك، الباب وقف تماماً وبشكل مفاجئ!
إليزابيث بصت للباب المفتوح بصدمة، وبعدين رجعت بصرها لزينة اللي كانت بتنهي المكالمة، وقرت اسم العيلة على التذكرة كويس جداً: سليم.
​بصت لزينة برعب ووجه باهت وهمست بصوت شبه مسموع:
— “يا آنسة زينة.. هو باباكي.. يكون.. ماركوس سليم؟!”
الجزء الثاني: طيارة تقف بكلمة.. ورجل أعمال يقع في شر أعماله!
​إليزابيث فضلت باصة لزينة وعيونها مراوغة من الخوف، مستنية إجابة.. وزينة هزت راسها بهدوء من غير ما تتكلم. في اللحظة دي، وش المضيفة اتقلب ومكنش فيه نقطة دم واحدة!
​”ماركوس سليم” مكنش مجرد رجل أعمال ناجح وعدا وخلاص.. ده كان المؤسس والرئيس التنفيذي لـ “كولمان جلوبال للطيران”، الشركة العملاقة المسؤولة عن تشغيل وإدارة خطوط وخدمات جوية كبرى في العالم كله، يعني بكلمة واحدة منه الطيارة دي ممكن ما تتحركش من مكانها نهائي!
​همست إليزابيث بصوت مرعوب:
— “أرجوكِ خليكي هنا جنبي.. أنا حاسة إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد مقعد متبدل!”
​في الوقت ده، “سامح التهامي” (ريتشارد) بدأ يحس بالتوتر والحركة الغير طبيعية قدام باب الطيارة. نزل الجريدة من إيده وكشر وهو شايف مشرف الخدمات الأرضية بيتكلم بعصبية مع طاقم الضيافة.
​زعق بصوت عالي كالعادة:
— “إيه اللي مأخرنا كل ده؟! أنا ورايا اجتماع مهم جداً في لندن، ومش هسامح على أي تأخير ملوش أي معنى!”
​قرب منه مضيف بحذر:
— “يا فندم، إحنا موقفين عملية الصعود مؤقتاً لحد ما نخلص مسألة تشغيلية طارئة.”
​ضحك سامح بسخافة:
— “مسألة تشغيلية؟! عشان حتة بنت صغيرة اشتكت من كرسيها؟!”
​الركاب حواليه بدأوا يبادلوا نظرات عدم الارتياح. الست اللي كانت لابسة جاكيت أوف وايت هزت راسها باستهجان، وهي شايفة كل اللي حصل من أول دقيقة.
​وفجأة، جه صوت الكابتن في مكبرات الصوت بكل جدية:
— “سيداتِي وسادتِي، بنعتذر عن التأخير البسيط.. ياريت الكل يفضل قاعد في مكانه لحد ما فريق العمليات الأرضية يخلص مراجعة ضرورية.”
​سامح اتجنن، ومد إيده بغضب على تلفونه، واتصل بمدير السفر في شركتهم، وبدأ يزعق في التلفون بصوت عالي يشتكي من سوء معاملة الطيران لعملائه “المهمين”:
— “هتشوفوا، الشؤون القانونية عندي هترفع قضايا.. أنا عايز حد كبير يعتذر لي عن المهزلة دي!”
​أما قدام، فكانت زينة واقفة بتسمع إليزابيث وهي بتستقبل رسالة على جهاز الخدمة الخاص بطاقم الطيارة. إليزابيث قرت الرسالة مرتين، وبعدين بصت لباب الطيارة بنظرة تعجب وذهول.
​بصت لزينة وقالت بحذر واحترام شديد:
— “آنسة زينة.. باباكي بطلب إن الكابتن يتقابل معاكي قبل ما نتحرك.”
​زينة هزت راسها، بس قلبها كان قابض.. هي مكنتش ناوية تعمل المشكلة دي كلها، ولا كانت تتخيل إن طيارة كاملة تتأخر بسببها.
​بس المفاجأة إن الكابتن أول ما طلع من قمرة القيادة، مابصش لزينة خالص.. عينيه كانت موجهة مباشرة على سامح التهامي!
​قرب منه الكابتن وقال بصوت قاطع وحازم:
— “أستاذ سامح.. محتاجك تيجي معايا حالا عشان نتكلم.”
​سامح وقف وهو بينفخ باضطراب:
— “أخيراً.. حد فاهم وعاقل جه.”
​لكن ملامح الكابتن فضلت جامدة ومرعبة:
— “يا فندم.. قبل ما تنطق بكلمة، لازم تفهم كويس إنت اتجاهلت تعليمات مين بالضبط!”
​ولأول مرة من الصبح.. ملامح الغرور على وش سامح اهتزت، وبان عليه القلق والتوتر.
​الكابتن التفت بهدوء ناحية زينة، وكمل كلامه وهو بيبص لسامح:
— “وأظن.. دلوقتي جه الوقت تسمع بنفسك.. والدها عايز يقولك إيه!”
الجزء الثالث والأخير: درس في الأخلاق لا يُنسى
​مشي “سامح التهامي” (ريتشارد) ورا الكابتن ناحية مقدمة الطيارة، وكان لسه لابس وش الثقة والغرور بتاعه، وكأنه متعود دايماً يكسب في أي خناقة وياخد اللي هو عايزه من غير مجهود.
​قال بصوت متعجرف وهو بيعدل بدلته الغالية:
— “أتمنى تكونوا فاهمين إن شركتي بتدفع ملايين الملايين للخطوط بتاعتكم دي.. وكنت متوقع إن الموقف ده هيتم التعامل باحترافية أكتر من كده بكتير.”
​الكابتن وقف جنب إليزابيث اللي كانت واقفة بهدوء جنب زينة، وبص لسامح بنظرة ثابتة وقال:
— “يا أستاذ سامح.. الاحترافية هي بالظبط السبب اللي مخلينا واقفين بنتكلم معاك دلوقتي.”
​بعدين بص لزينة وطلب منها تفضل واقفة في مكانها بهدوء لحد ما يخلص معالجة الموقف ده.
​سامح عدل بدلته وقال بملل:
— “جميل.. ودلوقتي ممكن حد يشرح لي ليه رحلة دولية كاملة تتأخر عشان مجرد خلاف تافه على مقعد؟”
​وقبل ما الكابتن يرد، ظهر مدير العمليات الأرضية عند باب الطيارة وفي إيده تابلت. اتكلم كلمتين سرعة مع الكابتن، وبعدين بص لزينة بنظرة احترام واضحة وصريحة. سامح لاحظ النظرة دي بس مكنش فاهم إيه السبب اللي يخليهم كلهم مهتمين بالمراهقة دي أكتر منه هو، رجل الأعمال المهم!
​الكابتن بدأ الكلام بجدية:
— “أستاذ سامح.. الركاب البسيطة اللي رفضت تقابلها بالاحترام وتسمعها هي ‘زينة سليم’.. بنت السيد ماركوس سليم.”
​سامح رمش بعينيه وهو بيحاول يستوعب الاسم ويدور في ذاكرته عن أي أهمية ليه. مدير العمليات خطى خطوة قدام ووضح له إن “ماركوس سليم” هو مؤسس ورئيس مجلس إدارة “كولمان جلوبال للطيران”، مجموعة الخدمات الجوية العالمية الضخمة والمالكة لشبكات شراكات كبرى في العالم.. والأهم من ده كله، إن عيلته معروفة بإنها بتشترط معاملة كل موظفي الطيران باحترام ومساواة تامّة، بغض النظر عن مناصبهم أو ثروتهم.
​سامح ضحك ضحكة عصبية وغير مريحة:
— “هو إنتوا بتقولوا لي إن الطيارة واقفة كل ده عشان هي قريبة لحد مهم؟!”
​زينة هزت راسها بسرعة وبكل ثقة:
— “مش ده اللي حصل يا فندم.”
​كان صوتها هادي وثابت، وعيونها مابتترعش:
— “أنا طلبت منك تتأكد من تذكرتك لأنك كنت قاعد في مقعدي المحجوز، وإنت اللي قررت من نفسك إني أصغر من إنك تسمع لي أو تحترمني.”
​الكلمات نزلت على ودن سامح أثقل وأقوى من أي اتهام مباشر. وفي اللحظة دي، إليزابيث أكدت بصوت هادي إن زينة قدمت تذكرة سليمة 100% من أول دقيقة، وإن سامح هو اللي رفض بشكل متكرر أي طلب عقلاني. مدير العمليات أضاف إن الكابتن هو اللي أوقف عملية الإقلاع مؤقتًا لحد ما الطاقم يسيطر على الموقف المتصاعد، ومحدش طلب من سامح يتنازل عن مقعده، كل الحكاية إنه يروح مقعده الحقيقي اللي في تذكرته: 2B.
​ولأول مرة، سامح حس إن بدلته الغالية وشركته الكبيرة مش هيحلوا المشكلة دي.. بص حواليه للركاب اللي كانوا متابعين اللي بيحصل بنظرات لوم، ووطى صوته وقال بتبرير ضعيف:
— “يمكن.. يكون حصل سوء تفاهم مش أكتر.”
​زينة بصت له من غير أي غضب أو تشفي:
— “إنت كنت عارف رقم مقعدي كويس يا فندم، ومع ذلك قلت إني ما أستاهلش أكون هنا.”
​سامح فتح بوقه عشان يرد، بس ملقاش ولا كلمة مقنعة يقدر يقولها.
​الكابتن إداه الفرصة الأخيرة عشان يتعاون بهدوء، فسامح لمّ شنطته الجلد وجريدته وهو مجبر، واتحرك بخطوات بطيئة لمقعده الأصلي 2B. إليزابيث شكرته على تعاونه، وبعدين لفت لزينة وابتسمت ودعتها لمقعدها الأصلي جنب الشباك.
​زينة قبلت العرض، وقبل ما تقعد.. التفتت لسامح نظرة أخيره وقالت بهدوء:
— “أنا مكنتش متصلة ببابا عشان اعاقبك.. أنا اتصلت عشان كنت محتاجة حد يساعدني لما الكل رفض يسمعني.”
​سامح وطى راسه في الجريدة، ومقدرش يبص في عيونها ابداً.
​وفي الناحية التانية من الممر، الست اللي كانت لابسة الجاكيت الأوف وايت مدت راسها لزينة وابتسمت لها ابتسامة تشجيع دافئة. الكابتن رجع لقمرة القيادة، وطاقم الطائره أكد إن كل المشاكل اتحلت، وبعد دقايق معدودة.. بدأت الرحلة 212 تتحرك أخيراً وتتجه نحو الممر للإقلاع.
​ووسط ما الطيارة كانت بتتحرك على الممر، تلفون زينة هز برسالة جديدة من باباها:
(أنا فخور بيكي يا زينة لأنك حافظتي على هدوءك.. تذكري دايماً، إنتي مين مش مهم خالص.. الأهم هو إزای بتتعاملي مع الناس وتديهم حقهم).
​قرت الرسالة مرتين، وحطت التلفون في شنطتها بابتسامة رضا. هي مكنتش محتاجة نفوذ أبوها عشان تثبت إنها مستحقة مكانها في الدرجة الأولى.. تذكرتها كانت كفاية تثبت ده من البداية.
​ومع اقتراب الطيارة من هبوطها في لندن، خرج سامح التهامي من التجربة دي بدرس عميق وعمره ما هيحسيه تاني طول حياته: إن الإنسان اللي بتستهين بيه وبتققل منه النهاردة.. ممكن جداً يكون هو السبب في إنك تتعلم معنى الاحترام من أول وجديد!
تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى