
جوزي كان بيدعمني بعيد عن رحلات عيلته هو والولاد لمدة ١١ سنة كاملة!
طول السنين دي كنت عايشة وأنا محروق دمي وفاكرة إن أهله هما اللي مش طايقين وجودنا ومش عاوزين يشوفونا.. لحد ما مكالمة واحدة مع حماتي قلبت كل حاجة ورجعت الفتيل للولعة وكشفت المستخبى كله!
أول صيف جوزي “طارق” سابنا فيه وسافر لوحده، كانت بنتي “سلمى” عندها ٤ سنين بس.
من كتر ما كانت زعلانة ومتعلقة بوعوده، نامت وهي حاضنة الجاروف البلاستيك الصغير اللي كان جايبهولها من البحر، بعد ما وعدها بكل برود: “المرة الجاية هاخدك معايا يا حبيبتي تلعبي بيه على الرملة”.
بس “المرة الجاية” دي مجمعتش أبداً.. ولا بعد مليون سنة.
بعد كام صيف، بقى صوت سوستة شنطة السفر وهو بيقفلها بيعملي قلق وتوتر في البيت كله.
سلمى كانت واقفة في الممر وبتترجاه بعيون كلها أمل: “بابا.. ينفع نيجي معاك السنة دي؟”
طارق حتى مكلفش نفسه يوقف تظبيط هدومه في الشنطة، وقال بجمود: “يا حبيبتي ده نظام العيلة.. رحلة بيلموا فيها شمل القرايب القدام بس”.
عمر، ابننا الكبيرة اللي عنده ١١ سنة، كان واقف جمبي وحاطط إيده في جيبه وساكت.. كان خلاص جاب آخره وبطل يسأل أصلاً.
قلت لطارق بعتاب ومغصوبة: “بس إحنا كمان عيلتك يا طارق!”
أتنهد بقلة صبر وزهق وقال: “أنتي فاهمة قصدي كويس يا مريم! أهلي، وإخواتي، والقرايب اللي كبرت معاهم.. دي عادة عندنا من زمان ومش هينفع نغيرها”.
والعُرف “المزعوم” ده كان ملاحقني في كل خطوة..
جروبات العيلة على الواتساب تلاقيهم بيعملوها من غير ما يدخلوني فيها.. في المناسبات والأعياد، أكون أنا دايماً الشخص اللي يمسك الموبايل ويصورهم، مش اللي واقف معاهم في الصورة! وحتى لما أدخل المطبخ، تلاقي الكلام فجأة يقطع والسكوت يعم المكان!
لسنين طويلة استحملت وعديت.. كنت بقول لنفسي إن محاولة إجبار ناس يحبوني ويتقبلوني أرخف بكتير من إني أمثل إني مش مهتمة ومش فارق معايا.
في الصبحية دي، طارق باس سلمى وهو بيودعها، ووعدها يجيلها بهدايا وهو راجع، ومشي من قبل حتى ما نفطر.
بعدها بساعتين بس، أخته نزلت صورة على الفيس بوك من على البحر!
بقيت مسهمة وباصة للموبايل ومش مصدقة..
الكل كان هناك!
حمايا وحماتي.. إخواته بمراتاتهم وإجوازهم.. عيال عمومته كلهم!
كلهم واقفين تحت نفس الشمسية الكبيرة على الشاطئ، ولابسين كلهم التيشرتات الزرقاء الطقم اللي عاملينه للعيلة.
سلمى تطلعت من فوق كتفي على الصورة وقالت بصوت يقطع القلب: “ماما.. هو تيتة وجدو مش عاوزينا نكون معاهم ليه؟”
في اللحظة دي.. حاجة جوايا اتكسرت ومعدتش قادرة استحمل.
قفلت الأبلكيشن فوراً، وطلبت رقم “حاجة فاطمة”، حماتي.
ردت عليا وصوت الموج والهوا باين قوي في الخلفية: “أهلاً يا مريم..”
قلت لها ونبرة صوتي بتترعش من الوجع: “قوليلي الحقيقة يا حاجة فاطمة.. هما ولادي مبيجوش معاكم في الرحلات دي ليه؟ أنتوا رافضين وجودنا للدرجة دي؟”
السكة هديت تماماً.. وحماتي سكتت خالص.
وبعدين سألتني سؤال خلى بطني تتقلب وركبي تسيخ:
“هو طارق قالك إن دي عادة عيلتنا وإحنا اللي مش عاوزينكم؟”
قلت لها: “أيوه.. طول عمره بيقول كده!”
صوت الموج بدأ يختفي، وكأنها بعدت عن الزيطة واللمة اللي حواليها.. ولما اتكلمت تاني، كان صوتها واطي وجاد جداً:
“يبقى جه الوقت اللي تعرفي فيه طارق كان بيقولنا إيه طول الـ ١١ سنة اللي فاتوا يا مريم..”
مسكت الموبايل بأيدي الاتنين وأنا بترعش: “قصيدك إيه؟”
تنهدت حماتي بنَفَس طويل وقالت: “يا مريم.. إحنا عمرنا ما استبعدناكم ولا رفضنا وجودكم!”
قلبي وقف في اللحظة دي..
“أومال إيه؟!”
“طارق كان دايماً بيقولنا إنك أنتي اللي مفيش لغة حوار بينك وبين العيلة وماشية بمبدأ يادوب السلام، وإنك مبتستريحيش مع ناس معينة فينا، وبتفضلي تقعدي في البيت مع سلمى وعمر.. وكان بيطلب مننا نحترم رغبتك وخصوصيتك وما نضغطش عليكِ!”
بقيت متنحة وباصة للصورة اللي لسه منورة على شاشة الموبايل..
١١ سنة!
١١ صيف وأنا بشوف طارق بيلم شنطته ويمشي وسايبنا!
١١ سنة وأنا بألف أعذار وببرر الخذلان للولاد وبطبطب عليهم!
١١ سنة وأنا فاكرة إن أهله هما اللي رافضين يدخلونا وسطهم وبايعينّا!
وطول الوقت ده.. كان هو اللي بيكدب عليهم ويقولهم العكس تماماً!
رديت عليها بصوت مكتوم: “والله العظيم ما حصل يا حاجة فاطمة.. أنا عمر ما قلت ولا فكرت في كده!”
صوت حماتي اتقطع وهي بتقول: “أنا عرفت ده خلاص.. وفهمت اللعبة”.
بصيت لسلمى اللي لسه واقفة جنبی.. وافتكرت الجاروف البلاستيك الصغير اللي كانت بتنام حاضناه وهي عندها ٤ سنين..
افتكرت كل وعد بـ “السنة الجاية”.. وكل حجة فارغة.. وكل مرة طارق كان بيحسس فيها الولاد إن مجرد سؤالهم إنهم يسافروا معانا ده طلب ثقيل ومش منطقي!
حماتي اتكلمت تاني وصوتها اتغير تماماً وبقى صارم:
“مريم.. هاتي الولاد وتتعالي فوراً”.
بلعت ريقي بصعوبة: “إيه؟!”
“ارركبي عربيتك وتعالي على شاليه البحر.. النهاردة ودلوقتي!”
والدفا اللي في صوتها اختفى تماماً وهي بتكمل:
“وما تقوليش لطارق إنك جاية.. ولا تجبيلي سيرة!”
في اللحظة دي بس.. عرفت إن الموضوع أكبر بكثير من مجرد رحلة صيفية أو فسحة عيلة!
طارق جوزي كان عايش بوشين وبيحكي حكايتين مختلفين تماماً لـ ١١ سنة كاملة..
وأنا دلوقتي رايحة بنفسي عشان أعرف السر المستخبى ورا كل ده!
لما فتحت دولاب الصالة، عيني وقعت على حاجة غريبة مخبية ورا كرتونة الإسكارفات القديمة.. الجاروف البلاستيك الوردي القديم بتاع سلمى.
سلمى مدت إيدها وطلعته وهي مبهورة: “ماما.. هو إنتِ لسه محتفظة بيه لحد دلوقتي؟!”
بصيت لها وبابتسامة وجع قلت لها: “يمكن جزء جوايا كان لسه مستني باباكي يوفي بوعده الواحد بس اللي وعدهولك زمان..”


