منوعات

“تحويشة العمر”

​”جامعتك تصبر وتستنى.. إنما عيالي الصغيرين هيستنوا إزاي؟”
​قالتها “وسام” مرآت بابا وهي بتحط شنطتين البامبرز والمستلزمات ببدخ فوق الفايلات والكتالوجات بتاعت الكلية اللي بقالي 6 شهور بجمع فيها وبحلم باليوم اللي أقدم فيه.
​كان عندي سبعتاشر سنة، وأخويا “يوسف” ستة عشر. وبقدرة قادر، بقينا إحنا الاثنين أرخص وأسهل دادة ببلاش في المحلة كلها!
​رديت بنبرة مخنوقة:
​”يا طنط، أنا زيارتي للجامعة بكرة، وبابا بنفسه ووعدني إنه يودينا.”
​طنط وسام حتى ما تكلفتش تبصلي، عينيها كانت مسحوبة في شاشة الموبايل وهي بتتابع المسجات، وقالت ببرود:
​”خلاص، يبقَى أبوكي ييجي يشرحلي هنجيب منين فلوس نجيب بيها دادة شاطرة تمسك العيال!”
​راحت فتحت الثلاجة، طلعت علبتين من أكل الأطفال المعجون، وحطتهم جنبي على الأبليكيشن بتاع المنحة:
​”فارس ياكل غداه الساعة الحادية عشرة والنصف بالضبط. ومريم ما بترضاش تاكل الخضار، فاقلبي لها الأكل بمهلبية تفاح. وإياكم تسيبوهم يطيروا نومة بعد الظهر.”
​برقت فيها ومش مصدقة:
​”بكرة الجمعة يا طنط! المفروض إحنا مسافرين عشان اليوم المفتوح لجامعة المنصورة!”
​ردت بلامبالاة كأنها بتأجل ميعاد عند الدكتور:
​”خلاص، تأجلوا الميعاد للأسبوع الجاي.”
​كان يوسف واقف عند باب المطبخ، ماسك في إيده الجدول اللي كان طابعه ومعلقه جنب مكتبه من شهور، وقال بصوت مكتوم:
​”إحنا بنخطط لليوم ده من شهر إبريل اللي فات!”
​هنا بس وسام بصتله، وقالت بلؤم:
​”وأنا بقالي سنة وشوية شايلة عيلين رضع طول النهار والليل، وأنتم كل اللي شاغلكم كتالوجات الكليات!”
​وسام كان عندها ثلاثة وثلاثون سنة، أصغر من بابا بإحدعشر سنة كاملين، اتجوزته من ثلاث سنين بعد وفاة أمنا. والتؤم بتوعها، مريم وفارس، كان عندهم سنة وشهرين.
​أنا بصراحة كنت بحب العيال دي من قلبي..
كنت بحب ضحكة مريم لما يوسف يعمل نفسه بيمثل إنه بيعطس.. وكنت بحب منظر فارس وهو نايم ومشبث في طرف البطانية الصغيرة بتاعته..
بس حبي ليهم حاجة، وإني أتحول لدادة ببلاش وأسيب مستقبلي عشانهم حاجة تانية خالص!
​من أول شهر أغسطس، ووسام مصرة إننا نرجع من المدرسة على البيت على طول عشان نشيل معاها التؤم. كانت حجتها إن الحضانة الغالية فوق طاقتنا، وإن شغلها في تصميم الديكور مش جايب همه عشان تجيب ناني تصرف عليها.
في الأول كانت بتطلب ساعتين بالعافية..
بعدها بقت تطلب كل ثلاث وخميس..
وعلى سبتمبر، بقيت أنا ويوسف بنأكل العيال، ونغير البامبرز، ونغلي البزازات، ونعمل العشا، ونغسل ونطبق الهدوم أربع أو خمس أيام في الأسبوع!
​أوقات كانت بتنزل لمقابلات شغل.. وأوقات تقعد فوق في مكتبها تعمل شغلها.. وأوقات تانية تنزل وتقول “ورايا مشاوير”!
​أما بابا، فكان شغال مدير صيانة في مصنع غزل ونسيج كبير، شقا وتعب طول اليوم. ينزل قبل الفجر وما يرجعش ساعات إلا بعد العشا وجسمه مهدود.
​ووسام كانت دائماً مجهزة الرد اللي يكتفنا:
“أنتم بتساعدوا بيتكم!”
“أنتم كبرتم ولازم تشيلوا المسؤولية!”
“حمدوا ربنا إن ليكم سقف يحميكم!”
​ولما كنت أشتكي، كانت ترمي الكلمة اللي تكسر النفس:
​”دول إخواتك يا مريم! مش مصدقة إن قلبك قاسي وبتقري على الوقت اللي بتقضيه معاهم!”
​أنا عمري ما كرهت العيال.. أنا كنت بكره إني عشان أكون “أخت كبيرة صالحة”، لازم أدفن حلمي وألغي حياتي تماماً!
​في ليلة الخميس دي، 15 أكتوبر، بابا رجع البيت شكله يقطع القلب من التعب.
وسام استقبلته عند الباب قبل ما ألحق أكلمه كلمة:
​”أحمد.. مريم ويوسف زعلانين مني عشان طلبت منهم يخلوا بالهم من التؤم بكرة.. عايزين يصرفوا فلوس على سفرية تانية للجامعة.”
​قاطعتها بسرعة:
​”سفرية تانية إيه؟! إحنا لسه ما روحناش ولا مكان!”
​بابا قعد يفك جزمته بتعب وقال:
​”في إيه يا جماعة على العشاء؟”
​وسام قالت بمسكنة:
​”قلتلهم إحنا بنضغط مصاريفنا الفترة دي، بس باين إن الكلام ده مش فارق معاهم.”
​رديت ودموعي محبوسة:
​”يا بابا دي زيارة مجانية للجامعة، والأتوبيس بتاع المدرسة هو اللي هيودينا، أنت بس وعدتنا تطلع معانا!”
​دلك جبهته بإيده وقال:
​”يا مريم، إحنا مش اتكلمنا وقلنا نلم إيدينا شوية؟”
​”يا بابا إحنا مش طالبين منك تشتري لنا حاجة!”
​”مشوار السفر ومصاريف اليوم كدة كدة بتسحب فلوس، وأنا طالع عيني في الشغل.”
​يوسف رفع الجدول وقال:
​”حضرتك وافقت على اليوم ده من أسبوعين يا بابا!”
​وسام قطعت كلامنا وربعت إيديها:
​”يمكن محتاجين يفهموا إن مصلحة البيت والأهل تسبق الكليات والأحلام!”
​حسيت بحاجة اتعصرت جوه قلبي، وقلت:
​”يا بابا، أنا ضاع مني ورشتين لكتابة المقال بتاع المنحة بسبب إن طنط وسام بتتصل بيّا أرجع عشان العيال!”
​بابا بصلي باستغراب:
​”وسام قالتلي إن الورش دي حاجات فرعية ومش مهمة.”
​”لا يا بابا كانت مهمة جداً لمستقبلي!”
​”يا مريم أنتِ شاطرة ومجتهدة، ورشة زيارة مش هي اللي هتضيع مستقبلك يعني.”
​”بس دي مش أول مرة!”
​وسام اتنهدت بخبث:
​”أهو.. رجعنا تاني لنفس النغمة. كل حاجة لازم تدور حوالين مريم وعايزة إيه!”
​بابا بص للسقف لحظة، وبعدين قال الجملة اللي كنت خايفة أسمعها:
​”الغي يا مريم زيارة بكرة.. ولما الظروف تظبط نبقى نشوف الموضوع ده.”
​يوسف نزل إيده بالورقة.. وأنا فضلت واقفة مستنية بابا يبصلي، يشوف دموعي اللي حابساها بالعافية.. بس ما بصليش.
قام ودخل لغرفته وشغل التلفزيون عشان يهرب من الصداع.
​الليلة دي، فتحت الإيميل اللي فيه تأكيد الحجز لليوم المفتوح، ودست على رابط “إلغاء الحجز”.
السيستم سألني: “هل أنتِ متأكدة من إلغاء الحجز؟”
فضلت بصة للزرار الأزرق لحد ما الكلام غبش قدام عيني.
​يوسف جه وقف على باب أوضتي:
​”لغيتيه؟”
هزيت رأسي من غير ما أتكلم.
قعد على طرف السرير وقال بصوت مكسور:
​”كان نفسي أشوف معامل الهندسة هناك عاملة إزاي..”
​”معلش يا يوسف.. يمكن نعوضها في نوفمبر.”
​”يمكن..”
​مسك واحدة من المجلات اللي جبتها للجامعة، كان عليها صور طلاب واقفين بيضحكوا تحت شجر الحديقة، وقال بصوت واطي:
​”هو بابا فعلاً ما بقاش معاه فلوس زي زمان؟”
​ما عرفتش أرد..
أمي الله يرحمها توفت وأنا عندي عشر سنين ويوسف تسعة. ومن يومها وبابا بيشتغل نبطشيات زيادات، وكان بيحوش كل قرش في حساب خاص في البنك، كان مسميه “حساب تعليم الأولاد”.
في كل عيد ميلاد، بدل الهدايا الغالية، كان يفتح الأبلكيشن ويورينا المبلغ وصل لكام ويقول لنا: “ده حلمكم اللي بيقرب.”
​ولما اتجوز وسام، أول حاجة قالها لنا:
​”تعليمكم ده عهد عليّ قدام ربنا وأمكم الله يرحمها.. مفيش مخلوق يقدر يمس القرش ده.”
وأنا صدقته..
​تاني يوم الجمعة، 16 أكتوبر، قعدنا في البيت بدل ما نسافر.
الساعة الحادية عشرة والنصف، كنت بأكل مريم ويوسف بيساعد فارس في أكله.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى