منوعات

“تحويشة العمر”

​”كويس إنكم مأكلينهم.. أنا نازلة عندي ميعاد.”
​يوسف سألها:
​”ميعاد إيه يا طنط؟”
​”شغل.”
​”هترجعي امتى؟”
​”قبل العشا.”
ومشت من غير ما تزيد كلمة.
​الساعة اثنتين وربع الظهر، جالي إشعار على الموبايل من صفحة الجامعة.. منزلين صور الطلاب وهم متجمعين قدام المبنى اللي كان المفروض أكون واقفة قدامه دلوقتي.
قلبت الموبايل على شاشته. يوسف خد باله، بس محدش فينا نطق بحرف.
​يوم الإثنين، حاولت أتاخر في المدرسة نص ساعة عشان الأخصائية تساعدني في مقال المنحة.
وسام بعتتلي 6 مسجات في 12 دقيقة:
“أنتِ فين؟”
“العيال عايزين يتعشوا!”
“أنا مش قايلالك ترجعي جري؟”
“أبوكي هيعرف بالتسيب ده أول ما يرجع!”
اعتذرت للأخصائية ومشيت وأنا دموعي في عيني.
​يوم الثلاثاء كان أوحش.. يوسف فاته اجتماع مسابقة الابتكارات العلمية في المدرسة لأن وسام قالت مش هتقدر تشيل العيال وتتكلم مع المهندس اللي بيكرر لها ديكور شقتها في نفس الوقت!
​بالليل لقيت يوسف قاعد على سفرة المطبخ وبيكتب أرقام في كشكول سلك.
​”بتعمل إيه يا يوسف؟”
​”بحسب.”
​”بتحسب إيه؟”
​”بكتب كل ساعة قضيناها في خدمة العيال دي.”
حاولت أبتسم وقلت:
​”ناوي تبعت لوسام فاتورة الحساب ولا إيه؟”
ما ابتسمش.. وبصلي بجدية تخوف:
​”لازم حد يعرف إحنا بنضحي بإيه وبكام ساعة من عمرنا ومستقبلنا!”
​كلامه فضل يرن في دماغي لليوم التالي..
​يوم الأربعاء، 21 أكتوبر، بابا رجع بدري من المصنع عشان كان في عطل في الماكينات.
وكانت وسام واقفة في المطبخ بتشتكيلنا من الغلاء وتقول إن المصاريف زادت:
​”مش هنقدر نجيب دادة الفترة دي خالص لحد ما أمورنا تفرج!”
​فجأة موبايل بابا رن.. بص في الشاشة، كشر، وسابه يرن لحد ما سكت.
بعد دقيقة جاله إشعار بفويس ميل.. سمعه، ووشه اتغير تماماً.. قعد على كرسي المطبخ كأن حيلته اتهدت.
​”دي كانت الأستاذة ميرفت من فرع البنك..”
وسام وقفت مكانها وحركتها اتجمدت:
​”والبنك بيكلمك ليه في الوقت ده؟”
​”عايزاني أكلم الفرع فوراً عشان في عمليات تحويل غريبة تمت على الحساب.”
ردت وسام بسرعة ونبرة متوترة:
​”أكيد إشعار روتيني يعني، كبر مخك.”
​بابا فتح الأبلكيشن، إيده كانت بترتعش، قفله ورجع طلب رقم البنك الرسمي المباشر.
بعد ما أكد بياناته الشخصية، قعد يتكلم مع الموظفة لعدة دقائق..
في الأول صوت بابا كان واطي ومش واضح.. بعدين نبرته اتغيرت 180 درجة، وزعق بصوت هز المطبخ:
​”يعني إيه أربعة عشر ألف وستمية جنيه دفعة واحدة؟!”
​وسام سابت الفوطة من إيدها.. وبابا فضّل يسمع والمكالمة شغالة، ووشه بيتحول للون الأبيض كأنه بيتصفى من الدم!
أول ما قفل، فتح كشف الحساب على الموبايل وبدأ يفر بأصابعه..
مرة..
تانية..
وبعدين لف الشاشة وشها لوسام، وصوته طالع مكسور ومصدوم:
​”تسعة وعشرين سبتمبر.. اتسحب ستة وعشرين ألف وأربعمية جنيه!”
​وسام شفايفها اتفتحت ومش عارفة تتكلم:
​”أحمد.. افهمني بس..”
​”وتسعة أكتوبر.. اتسحب ثمانية عشر ألف وثمانمية جنيه!”
قلت بصوت مرعوب ومش فاهمة:
​”بابا.. في إيه؟!”
ما بصليش.. وكمل وهو بيبص لشاشة الموبايل بذهول:
​”والنهاردة.. اتسحب تاني أربعة عشر ألف وستمية جنيه!”
​بلع ريقه بالعافية وقرأ الرقم الإجمالي:
​”إجمالي السحوبات… تسعة وخمسين ألف وسبعمية جنيه!”
​أنا كنت عارفة إن الرصيد اللي بابا شقي فيه سنين طويلة كان حوالي 73 ألف جنيه.. شقا عمره وتحويشة دم قلبه لتعليمنا أنا ويوسف.
دلوقتي.. المتبقي في الحساب كله على بعضه 13,200 جنيه بس!
​بابا بص لمراته، وكانت عينه فيها ذهول وغضب يهد جبال، وقالها بصوت واطي ومخيف:
​”وسام… قولي لي دلوقتي، سحبتِ تسعة وخمسين ألف وسبعمية جنيه من فلوس تعليم عيالي ووديتيهم فيييين؟!”

​وسام ما صرختش، وما اتكفِتِش على كرسي ولا اعتذرت حتى. بصت لشاشة أبلكيشن البنك وقالت بمنتهى البرود:
​”أنت بتكبر الموضوع وشايفه أوحش بكثير من حقيقته يا أحمد!”
​بابا بحلق فيها وهو مش مصدق:
​”طب اشرحيلي يفندم!”
​”دي فلوس شغلي.. استثمار.”
​”فلوس شغل مين؟”
​”شغلي أنا! كنت محتاجة سيولة مؤقتة عشان مشروع شغالة عليه.”
​بابا بص لها كأنه مش فاهم اللغة اللي بتتكلم بيها:
​”تاخديها من حساب تعليم الولاد؟!”
​”كنت هردها تاني!”
​”امتى يعني؟!”
​”أول ما المشروع يتقفل وتسلم الأرباح.”
​”مشروع إيه ده؟”
وسام بصت ناحيتي أنا ويوسف وقالت:
​”ممكن نتكلم في الموضوع ده بيننا وفي سرنا؟”
​بابا حط الموبايل على التربيزة بصوت جامد:
​”أنتِ محولة الولاد لدادات ببلاش وبتقولي مفيش فلوس نجيب ناني! ولغايلهم زيارة الكلية الأسبوع اللي فات بحجة إننا مزنوقين في الفلوس!”
​”ما إحنا فعلاً مزنوقين!”
​”أُمّال ده إيه؟! الفلوس دي راحت فين؟”
​”ده استثمار يا أحمد! والأعمال عشان تكبر محتاجة رأس مال.”
​سمعت يوسف بيسحب نفس عميق ومخنوع:
​”رأس مال؟!”
​عينين وسام راحت ناحيته وقالت بنبرة حادة:
​”ده كلام كبار، ادخلوا جوة أنتم!”
​”دي فلوس تعليمنا يا طنط!”
​”الفلوس دي أبوكم وأنا اللي محوشينها!”
​بابا بص لها بعينين مليانة ذهول:
​”أغلبها محوشه من قبل ما نتجوز أصلاً!”
​”وأنت بنفسك ضفت اسمي على الحساب يا أحمد.. عشان إحنا عيلة واحدة ولا نسيت؟”
​البيت كله سكت.. الكلمة كانت زَي السكينة، وللأسف كانت حقيقة.
الحساب في الأصل ما كانش باسمي ولا باسم يوسف قانوناً.. كان حساب توفير مشترك باسم بابا، ولما اتجوز وسام والتؤم اتولدوا، ضاف اسمها عليه عشان -على حد كلامه وقتها- يكون تحت إيدها فلوس العيلة لو حصلت أي طوارئ.
عمر ما جه في بالي إنها ممكن تستغل الثقة دي وتاخد تحويشة عمرنا في حاجة تانية!
​بابا رد بنبرة جافة:
​”إن اسمك يكون على الحساب عشان الطوارئ، ده مش معناه إني وافقت تصرفيها بالشكل ده!”
​وسام ربعت إيديها وقالت بهجوم:
​”ما تعاملنيش كأني مجرمة عشان أخدت قرار في شغلي!”
​”قلتيلي؟ عرفتيني قبل ما تسحبي قِرش؟”
​”كنت عارفة إنك هتقعد تقلق وتوتر نفسك!”
​”أنا بسألك.. استأذنتيني؟!”
​ما ردتش..
كنت عايزة أتكلم وأصرخ في وشها، بس فارس بدأ يعيط وينكد في المشاية بتاعته. رفعة من الأرض وحطيته على كتفي أههديه، فإيده الصغيرة مسكت في زعبوط الزعبوط بتاعي.
في اللحظة الرهيبة دي، كرهت نفسي.. كرهت إني اتعودت أبقى دادة وأهدي العيل والبار الكبار بيتحاربوا على مستقبلي وحياتي!
​وسام بصت ناحيتنا وقالت بصوت عالي:
​”شايف؟ أهو ده اللي بتكلم فيه! العيال اتوتروا وعيطوا وما فيش حد فيكم فكر في التؤم ولا فارقين معاه!”
​يوسف خطى خطوة لقدام وقال:
​”العيال كويسين ومريم شايلا فارس وأنا عيني على مريم.”
​”يوسف! اتكلم بأدب!”
​”لا!”
ما طرّش صوته، بس الكلمة طلعت منه بثبات يخوف:
​”لا يا طنط.. أنا مش هسكت تاني.”
​بابا بص له:
​”يوسف..”
​”يا بابا هي قالتلنا نلغي كل حاجة عشان مفيش فلوس نجيب دادة، وفي الآخر واخدة قريب من ستين ألف جنيه تصرفهم في حاجة مش راضية حتى تشرحها!”
​وسام هزت رأسها بالرفض:
​”واضح إنكم ملقنين بعض وشغالين قلة أدب وعصيان!”
​يوسف حط إيده في جيبه، طلع الموبايل وحطه على السفرة قدام بابا:
​”شوف بنفسك يا بابا.”
​”إيه ده؟”
​”دي الرسائل بتاعتها.”
​فتح الواتساب.. كان فيه رسائل على مدار أسابيع من وسام:
“لازم ترجعوا البيت 3:30 أنتم الاثنين.”
“مفيش مسابقة ابتكارات النهاردة.. عندي ميعاد.”
“مريم تقعد بالعيال يوم السبت.”
“محدش يعمل أي خطط إلا لما أقولكم ينفع ولا لا!”
​بابا نزل بالشاشة لحد ما وصل لرسائل يوم الخميس اللي فات:
“الغي زيارة الكلية بكرة.. أنا مش هدفع فلوس لغريبة عشان تمسك عيالي وأنتم موجودين!”
​بابا قرا الرسالة دي مرتين.. وبعدين رفَع عينه وبص لوسام:
​”أنتِ قلتِلي إنهم هما اللي متطوعين يقعودوا بالعيال عشان يساعدوكِ!”
​”أيوة في الأول كانوا حابين كده!”
​”قلتِلي إنهم مبسوطين!”
​”هما بيحبوا إخواتهم التؤم!”
​يوسف ضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة:
​”بنحبهم أيوة.. بس ده مالوش دعوة بإنك تستغلينا!”
وسام شائرت عليه بغضب:
​”شايف الطريقة اللي بيكلمني بيها؟!”
​بابا ما ردش عليها.. وأنا رفعت فارس أكتر على كتفي وقلت بصوت مكسور:
​”أوقات كنا بنبقى عايزين نساعد يا طنط.. بس أنتِ بقيتي تقرري إننا ممنوع نعمل أي حاجة ثانية في حياتنا!”
​وش وسام قسِي وقالت بجمود:
​”أنتم عايشين تحت السقف ده وفي بيتي! ولما تساعدوا في شيل إخواتكم دي مش عقوبة إعدام يعني!”
​”أنا ما قلتش إنها عقوبة..”
​”أُمّال بتمثلي دور الضحية ليه؟!”
​بابا وقف فجأة وقال بصرامة هزت المكان:
​”بس! كفاية لحد كدة!”
​وسام بصت له وهي مستنية إنه يقف في صفها، بس بابا قال بجفاء:
​”أنا عايز أعرف الفلوس دي راحت فين فوراً.”
​”قلتلك.. مشروع عقارات وتجهيزات!”
​”عقارات إيه وعنوانها فين؟”
​”أنا مش ماشية بأوراق الشركة في شنطة إيدي يعني!”
​”يبقى تطلعي تجيبيهم دلوقتي!”
​وشها احمرّ من الغضب وقالت:
​”أنا مش هسمح إن جوزي يحقق معايا كأني متهمة قدام عيلين مراهقين!”
​بابا بص لينا وقال بصوت هادي:
​”مريم.. يوسف.. خدو التؤم وادخلوا اللفينج جوة شوية.”
​لثانية واحدة، افتكرت إنه بيمنعنا عشان وسام تضحك عليه وتثبته تاني.. بس هو كمل كلامه وقال:
​”وسيبوا المواعين في الحوض.. أنا هغسلها.”
​كانت جملة صغيرة أوي.. المفروض ما تفرقش.. بس ما كنتش فاكرة آخر مرة حد من الكبار قالنا فيها: “ارتاحوا وأنتم مش مطالبين تعملوا حاجة.”
​أخدنا العيال ودخلنا اللفينج.. يوسف فرَش اللُّعَب بتاعتهم على السجادة، وأنا قعدت جنبه على الكنبة.
ومن ورا باب المطبخ، كنا سامعين أصواتهم وهي بتعلى وبتوطى..
​وسام كانت بتقول إن الاستثمار مضمون والأرباح جاية.. وبابا بيسألها ليه حولت الفلوس من وراه ومن غير علمه..
هي اتهمته إنه مش بيثق فيها كست بيت وشريكة، وهو سألها لو كانت صرفت المبالغ دي كلها فعلاً.. وما كانتش بتجاوب إجابة واضحة.
​بعد شوية، بابا دخل علينا اللفينج وهو باين عليه التعب:
​”أنتم كويسين؟”
يوسف بص له وقال بنبرة خايفة:
​”هو إحنا لسه عندنا فلوس للكلية يا بابا؟”
​فك بابا اتشد وقال بصوت واطي:
​”مش عارف هقدر أرجع الفلوس دي بسرعة إزاي..”
​دي كانت أول مرة في حياتي أسمعه يعترف إنه معندوش إجابة أو مش عارف يتصرف!
بص لفارس وهو نايم على حجري وقال:
​”هاتيه عنك.”
​كنت هقوله خليه معايا مش مشكلة.. بس سكت، وحطيت أخويا الصغير بالراحة بين إيدين بابا.
بابا حضن فارس في صدره، وبعدين بصلي وسألني:
​”أنتِ فعلاً ضاع منك ورشتين للمنحة يا مريم؟”
​”أيوة يا بابا.”
​”وليه ما قلتليش؟”
بصيت له باستغراب وقلت:
​”أنا قلتلك والله يا بابا..”
فأدور وشه الناحية الثانية ومردش.
​بعد ما العيال ناموا، بابا قعد تاني على كشف حساب البنك.. ووسام طلعت فوق أوضتها وقالت إنها طالعة تخلص شغل التصاميم.
أنا ويوسف قعدنا جنب بابا على سفرة المطبخ وهو بينزل بيانات التحويلات وكشوف الحسابات من الأبليكيشن.
​التحويل الأولاني كان رايح لشركة باسم غريب ما نعرفوش..
والتحويل الثاني مكتوب قدامه تفاصيل دفع لـ “خامات وتجهيزات ديكور”..
والتحويل الثالث كان معاه رقم فاتورة تنفيذ مشروع!
​بابا قعد يدور في الفايلات والأوراق اللي وسام كانت بتبعثها له زمان الخاصة بمصاريف البيت.. لحد ما لقى فاتورة شركة تشطيبات كانت مبعوتة في ميل قديم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى