
سألته بقلق:
”في إيه يا بابا؟”
كبر الفاتورة على شاشة اللابتوب.. الفاتورة كان مكتوب فيها: مطابخ خشب مودرن، وتأسيس أرضيات، وأطقم سباكة مستوردة!
ورقم عملية الدفع كان هو هو بالضبط رقم التحويل اللي اتسحب من البنك!
وفي آخر الفاتورة من تحت، كان مكتوب عنوان الموقع والمشروع.. وما كانش عنوان بيتنا خالص!
بابا قرا اسم الشارع بصوت عالي.. وبعدين بص ناحية السلم اللي بيودي لأوضة وسام فوق، وقال بنبرة زَي السم:
”كانت بتقولي مفيش معاي فلوس نصلح غسالة الأطباق المكسورة في بيتنا..”
وبعدين لف شاشة اللابتوب ناحيتنا وقال:
”بس طلع معاها فلوس تشطب مطبخ شقة حد تاني!”
تاني يوم الصبح، الخميس 22 أكتوبر، وسام اتصرفت كأن ما فيش أي حاجة حصلت بالليل!
عملت القهوة، وجهزت علبة الغدا لبابا، وبعدين بصت ليوسف وسألته بمنتهى البساطة لو يقدر يرجع البيت على طول بعد المدرسة، عشان مريم عندها ميعاد متابعة عند دكتور الأطفال بكرة بعد الظهر ومحتاجة مساعدة في ترتيب طلبات العيال.
يوسف بص لبابا.. وبابا حط فنجان القهوة على التربيزة بجمود وقال:
”لا.”
وسام برشت بعينيها باستغراب:
”لا إيه؟!”
”يوسف عنده مسابقة الابتكارات في المدرسة.. اتصرفي أنتِ.”
”دي كلها ساعة زمن بس!”
”خلاص، أنا هتيجي أتصرف.”
ابتسمت وسام ابتسامة صفرا ومشتودة وقالت:
”يعني أنت ناوي تسيب شغلك وتستأذن كل ما يجيلهم مزاج ما يساعدوش؟!”
بابا بص لها بعينين حادتين:
”من حقهم يكون عندهم حياة وخطط.”
سابت المطبخ وخرجت من غير ما ترد بكلمة..
كان المفروض أحس بالراحة، بس بالعكس، حسيت بقلق وتوتر يهد الحيل. وسام لما كانت بتخسر أي مناقشة مع بابا، كانت دايماً بتدور على طريقة تانية تخلينا ندفع تمنها من راحتنا.
في السكة وإحنا رايحين المدرسة، بابا سألني لو ينفع يكلم الأخصائية الاجتماعية بتاعتنا.
فضلت بصة من شباك العربية وقلت له:
”ليه يا بابا؟”
”عشان محتاج أفهم إيه اللي فاتكم بالضبط.”
”ما أنت ممكن تسألني أنا يا بابا.”
”عارف يا مريم..”
وقف بالعربية في الإشارة الحمرا ومسك الدركسيون بإيديه التنين وقال بصوت مكسور:
”أنا بس بحاول أصلح اللي باظ وأتصرف صح.”
بصيت لإيديه الشقيانة على الدركسيون.. إيدين فضلت سنين شغال نوبتشيات زيادات عشان تحوش في حساب كان بكل فخر بيسميه “مستقبل عيالي”.
ودلوقتي، بقيت بسأل نفسي: هو كان تعبان ومجهد للدرجة دي عشان ما ياخدش باله من اللي بيحصل قدام عينيه جوة البيت؟!
قلت له:
”اسمها مس إلهام، بس أنا حابة أتكلم معاها الأول.”
هز رأسه وقال:
”تمام يا مريم.”
في المدرسة، قعدت مع مس إلهام بين المواعيد بتاعتها. هي كانت بتساعدني في التقديم على المنح من أول الترم.
لما حكيت لها عن حساب التعليم اللي اتسحب منه الفلوس، كنت متوقعة إنها تتصدم، بس هي سمعتني بكل هدوء واهتمام، وبعدين سألتني:
”يا مريم، أنتِ بتقضي كام وقت في اليوم في خدمة وإطعام إخواتك الصغيرين؟”
اترددت وقلت:
”معظم بعد الظهر..”
”يعني كام ساعة تقريباً؟”
”مش عارفة بالضبط والله..”
”وده بيعطلك عن واجباتك ومذاكرتك؟”
”أوقات..”
”ونومك؟”
بصيت للأرض وما عرفتش أرد.. هي سكتت واستنتني.
اللحظة دي بالذات كانت هتخليني أعيط.. محدش كان بيزايد عليا ويقولي “ناس تانية ظروفها أصعب”، ومحدش كان بيتمني بأني أنانية وسلبية.. هي كانت بتبصلي بطف وسكتت عشان تسبلي مساحة أقول الحقيقة.
همست بصوت مخنوق:
”أيوة..”
سحبت مس إلهام علبة المناديل وقربتها مني وقالت:
”إحنا هنلحق مواعيد التقديم على المنح وما تقلقيش، وهساعدك تلاقي فرص زيارات تانية للكليات.. بس أنا عايزاكِ تفهمي حاجة مهمة يا مريم.”
هزيت رأسي وأنا بمسح دموعي.
قالتلي بثبات:
”إنك تساعدي بيتك وعيلتك دي حاجة جميلة ولها قيمة، بس إنك تفتشي على مستقبلك وتتعلمي دي حاجة لها قيمة كبيرة جداً برضه.. والمفروض الحكاية دي ما تطلبش منك إنك تلتغي وتختفي خالص!”
الجملة دي فضلت ترن في دماغي طول اليوم وتديني قوة.
في فسحة الغدا، يوسف وراني صفحة تانية في الكشكول السلك بتاعه. طلع إنه بادئ يسجل كل الساعات اللي قضيناها في خدمة العيال من أواخر شهر أغسطس!
كل خانة كان فيها التاريخ، وقت البداية، وقت النهاية، وملاحظة قصيرة بتوضح ليه وسام طلبت مننا نفضل في البيت.. أوقات كنا بنبقى إحنا الاثنين، وأوقات واحد فينا بس. حتى يوم زيارة الجامعة اللي اتلغت كان كاتبه ومأرخه!
قلت له:
”أنت مش محتاج تتعب نفسك وتكمل في الحساب ده يا يوسف.”
رد بجدية:
”لا، أنا عايز أكمل.”
”ليه؟”
”عشان لو بابا سأل عن اللي حصل، ما تطلعناش بنبالغ ولا بنتبلى عليها!”
بصيت للسطور والمتنظمات اللي كاتبها بأيده.. أخويا الصغير كان بيستعد يدافع عننا وعن حلمنا من قبل ما أنا نفسي أفهم إحنا محتاجين نلجأ للدفاع إزاي!
بعد الظهر، تيتا سميحة جُم خدتنا من المدرسة..
كان عندها أربعة وستين سنة، وكيلة مدرسة ابتدائية بالخارجية متقاعدة، شنطتها الكبيرة دايماً فيها مناديل وبونبوني وشواحن موبايل زيادة! طول عمرها كانت ست عملية وناشفة في الحق.
لما أمي اتوفت الله يرحمها، تيتا سميحة هي اللي علمتنا إزاي نعمل أكل خفيف لنفسنا، وكانت بتوقع على أوراق المدرسة لما بابا يكون مزنوق في الشغل، وكانت دايماً بتذكره إن العيال محتاجة اهتمام ورعاية مش مجرد أكل وسقف يحميهم!
أول ما وصلنا بيتها، ما بدأتش بأسئلة ولا تحقيق..
خدتنا على المطبخ، عملت لنا سندوتشات جبنة محمرة وفراخ، وقالت لنا: “كلوا الأول.”
بعد ما أكلنا، قعدت وقالت:
”أبوكم كلمني.”
يوسف وقف أكل وقال:
”وقال لك إيه يا تيتا؟”
”قاللي اللي يخليني أفهم إن في مصيبة في البيت.”
بصيت لتيتا وقلت لها بصوت واطي:
”هو حكى لك عن الفلوس؟”
”أيوة.”
”أنتِ زعلانة منا؟”
حطت تيتا كوباية الشاي من إيدها وقالت بغضب:
”أنا غليانة وشايطة!”
بطني اتعصرت من الخوف وقلت:
”منا إحنا؟!”
برقت لي وقالت:
”يا حبيبتي! وأنا أزعل منكم أنتم ليه على وجه الأرض؟!”
ما عرفتش أرد إزاي.. وسام فضلت وقت طويل تحسسنا إن أي مشكلة في البيت هي غلطتنا إحنا، لدرجة إني ما بقيتش عارفة إيه هو إحساس إن الشخص يكون مظلوم وبريء بجد!
مدت تيتا إيدها على التربيزة ومسكت إيدينا:
”أنتم الاثنين شايلين فوق طاقتكم ومستحملين أكتر من اللي حد قاللي عليه بكثير!”
يوسف زق الكشكول بتاعه ناحيتها.. تيتا قريت الصفحة الأولى.. وبعدين الثانية..
وعلى الصفحة الرابعة، وشها اتغير ونظرتها بقيت حادة:
”أبوكم يعرف بالكلام والمواعيد دي؟”
يوسف رد:
”لسه ما شافش الكشكول يا تيتا.”
”يبقى هيشوفه النهاردة!”
في الوقت ده، كان بابا بيعمل تحرياته الخاصة..
حكى لنا بعدين إنه استغل استراحة الغدا في المصنع، ودخل على السجل العقاري وسجل الشركات عشان يدور على عنوان الشقة اللي مكتوب في الفاتورة بتاعة وسام.
في الأول، كان فاكر إنها شغال تصاميم وديكور لعميل عندها، وده كان ممكن يفسر مصاريف المقاولين والتشطيبات.
بس كل ما يدور أكتر، كل ما التفسير ده يقع وما يدخلش العقل!
العقار كان عبارة عن بيت صغير دور واحد في حَي راقي غرب المدينة.. والبيت اتشرى عن طريق شركة ذات مسؤولية محدودة اسمها “شركة ريفايفل للتطوير”.
وفي سجل السجل التجاري للشركة، كانت وسام هي المديرة المسؤولة! والسجل العقاري كاتب إن البيت ملك للشركة دي!
بابا عمره ما سمع اسم الشركة دي في حياته!
كان عارف إن وسام شغال تصميم ديكور، وعارف إنها ساعات بتشرف على تشطيبات.. بس ما كانش يعرف إنها بتدير وتملك شركة عقارات، والأدهى إنه ما كانش يعلم إنها بتاخد من تحويشة تعليم ولاده عشان تصرف على تشطيبات شركتها الخاصة!
بالليل، بابا جه على بيت تيتا..
شكله كان عجوز وتعبان أكتر بكثير من الصبح.. تيتا حطت قدامه طبق العشا، بس هو ما لمسوش تقريباً.
قال وهو بصاص للأرض:
”أنا وصلت للبيت والشركة.”
يوسف اتعدل في قعدته:
”طلعت بتاعتها يا بابا؟”
”الشركة بتاعتها باسمها، والبيت مسجل باسم الشركة.”
سألته بنبرة خايفة:
”هي اشترت البيت بفلوسنا؟”
”ما افتكرش الشراء نفسه بفلوسنا، بس الفلوس اللي اتسحبت كلها راحت في تشطيبات وتجهيزات البيت ده.”
”طب وهتقدر ترجع الفلوس تاني؟”
سحب بابا نفس طويل وموجوع:
”هي بتقول إنها هترجعها أول ما تبيع.”
”وأنت مصدقها يا بابا؟”
بصلي بابا في عيني مباشرة وقال:
”أنا مصدق إني كان المفروض أطلب إثباتات وأوراق وأبقى صاحي قبل ما كل ده يحصل!”
فتح اللابتوب بتاعه وورانا إعلان عقارات على النت للبيت المتشطب..
كان فيه صور لمطبخ خشب مودرن أبيض، وأرضيات بورسلين بتلمع، وحمامات متجددة بأعلى خامة، وإضاءات مودرن غالية.
بصيت للشاشة.. المكان كان طالع تحفة ورائع، بيت من اللي الناس بتقعد تحوش سنين طويلة عشان تملك حتة منه.
قلب بابا في الصور، لحد ما وقف عند صورة المطبخ..
”فاكرين لما غسالة الأطباق بتاعتنا باظت في شهر سبتمبر؟”
هزيت رأسي.. وسام وقتها قالت إن تصليحها غالي جداً ومفيش سيولة، وفضلنا أنا ويوسف تلات أسابيع بنغسل كل طبق وحلة وبزازة على إيدنا!
بابا قال بنبرة مليانة مرارة وهو باصص للصورة:
”قالتلي لازم نضغط المصاريف ونوفر..”
وبعدين بص للصورة تاني وقال:
”بس المطبخ ده فيه أطقم أجهزة كهربائية كاملة جديدة زيرو!”
تيتا سميحة قفلت اللابتوب نص قفلة وقالت بصوت صارم:
”يا أحمد! أنا ما يفرقش معايا البيت حلو ونضيف قد إيه.. أنا يفرق معايا الولدين اللي قاعدين قدامك دول ومستقبلهم اللي بيضيع!”
بابا بص لنا، وعينيه كانت مليانة دموع محبوسة:
”عارف والله يا أمي..”
بس تيتا هزت رأسها بالرفض وقالت:




