روايات وقصص

الساحل

​حضنت الجاروف لصدرها وقالت بعيون لمعت فيها الدموع: “ممكن أخده معايا الرحلة دي يا ماما؟”
رديت بحزم ودفا: “طبعاً يا قلب ماما.. هاتيه معاكِ.”
​من غير تردد، مدخلتش في أي نقاش، ومرفعتش التليفون أكلم طارق..
طول الـ ١١ سنة اللي فاتوا، هو اللي كان ماسك خيوط اللعبة ومتحكم في الرواية وبيحكيها على مزاجه..
المرة دي بقى، هيصطدم بالحقيقة بنفسه.. لما نكون قدامه في قلب المكان، وجهاً لوجه، من غير سابق إنذار!
​ركبت العربیة أنا وسلمى وعمر، وطريق إسكندرية كان بيمر قدامي كأنه شريط سينما بيعدي بكل سنين القهر والظلم والكدب اللي عشناها. طول السكة وأنا حاسة ببركان جوايا.. يا ترى إيه السر الكبير اللي طارق كان خايفنا نعرفه؟ وليه كان مصر يبعدنا عن أهله ويحط بينا جدار عازل من الأكاذيب؟
​وصلنا قرية الشواطئ اللي فيها شاليه العيلة.. قلبي كان بيدق بسرعة كأنه هيطلع من ضلوعي. ركنت العربية على جنب، ونزلت أنا والولاد، وماسكين إيد بعض بخطوات ثابتة.
​طلعنا على سلم الشاليه.. كان صوت ضحك العيلة ولّعة وجميلة باين من بره، والريحة المميزة لشواء الأكل والبحر مالية المكان.
رفعت إيدي وخبطت على الباب المفتوح نص قفلة..
​ثواني والباب اتفتح..
​طلت عليا “حاجة فاطمة” حماتي.. وبمجرد ما شافتنا واقفين قدامها، عيونها دمعت وبصت وراها بصدمة.
في نفس اللحظة دي، سمعنا صوت طارق وهو جاي من جوه بيضحك وبصوت عالي: “يا جماعة الأكل جهز ولا لسه؟ مين على الباب يا أمي؟..”
​الضحكة اتجمدت في فم طارق، ووشه اصفر وبقى أبيض كالميت أول ما شافني أنا والولاد واقفين في وشّه على باب الشاليه

أول ما طارق شافنا واقفين على باب الشاليه، الصدمة شلت لسانه.. كوباية العصير اللي كانت في إيده وقعت اتكسرت على الأرض، وعيونه بدأت تروح وتيجي في المكان كأنه بيدور على جحر يستخبى فيه!
​أخته “سارة” خرجت من الصالة على صوت الكوباية وهي بتقول: “إيه اللي وقع ده يا طارق؟..”
وفجأة اتسمرت في مكانها وهي شايفاني ماسكة إيد سلمى وعمر!
​المكان كله سكت.. الضحك والزيطة اللي كانت مالية المكان اختفت في ثانية، والكل بدأ يخرج من الصالة واحد ورا التاني عشان يشوفوا في إيه. حمايا “الحاج توفيق”، وإخوات طارق الباقيين، وعيال عمومته.. كل العيلة بقت واقفة بتتفرج ومسهمين.
​حماتي “الحاجة فاطمة” بصلت لطارق بنظرة نارية، وبعدين وسعت الباب وأخدتنا في حضنها وهي بتعيط: “تعالي يا مريم.. تعالي يا حبيبتي أدخلي أنتي وعيالك.. المكان ده مكانكم قبل ما يكون مكان أي حد تاني!”
​سلمى كانت ماسكة الجاروف الوردي الصغير في إيدها وضاماه لصدرها بقوة، وعمر واقف ضارب ظهره ومستني يشوف المهزلة دي هترسي على إيه.
​طارق حاول يستجمع شتات نفسه، وقرب مني ووشه جايب ألوان، وقال بصوت واطي وموتر: “مريم؟! إيه اللي جابكم هنا؟ مش كنا متفقين إنك مبتستريحيش في السفرية دي والولاد عندهم دروس وزحمة؟ إزاي تسيبي البيت وتيجي كده من غير ما تقوليلي؟!”
​في اللحظة دي، حماتي قطعت كلامه وزعقت بصوت هز الشاليه كله: “اخرس يا طارق! ولا كلمة زيادة! بطل كدب ونفاق.. الست طول عمرها ساكتة وصابرة وأنت بتاكل في حقها وحق عيالك بلسانك المسموم!”
​طارق اتفاجئ ورد بلجلجة: “يا أمي إيه الكلام ده؟ أنا بقول الحقيقة.. مريم هي اللي دايماً بتعتذر عن الرحلات ومبتحبش اللمة!”
​هنا أنا ملقيتش نفسي غير وأنا بطلع الموبايل من شنطتي، وبفتح التسجيل اللي داير بيني وبين حماتي من ساعتين، ورسائل الواتساب اللي كنت ببعتهاله على مدار 11 سنة وبسأله في كل صيف: “يا طارق خذنا معاك، الولاد نفسي يفرحوا بالبحر”.. وكان رده دايماً: “أهلي مش عاوزين، دي رحلة خاصة بيهم ومفيش مكان لكم”.
​رفعت الموبايل وشغلت الرسائل الصوتية قدام العيلة كلها..
صوت طارق وهو بيتحجج وبيألف كدب كان مالي المكان!
​وش طارق بقى في الأرض، وحمايا “الحاج توفيق” قرب منه بملامح حادة ورجله بتترعش من الغضب، ووجه له عتاباً حازماً قدام الكل!
​الحاج توفيق قال بصوت يرعب: “يا خسارة تربيتي فيك يا طارق! 11 سنة بتخلينا نرفض مراتك ونقول عليها متكبرة وشايفة نفسها ومبتحبناش؟ 11 سنة بتظلم عيالك وتحرمهم من جدهم وجدتهم وعيلتهم عشان تطلع أنت البريء وتعيش دنيتك ومزاجك على كيفك؟! ليه تعمل كده؟ إيه السر اللي يخليك تبعد عيلتك عننا بالطريقة القذرة دي؟!”
​طارق مسك وشه وكان مصدوم، وبدأ يرجع لورا وهو بيقول: “يا جماعة افهموني.. أنتوا مش فاهمين حاجة!”
​سارة أخته قربت منه وهي بتعيط من القهرة وقالت له: “مش فاهمين إيه؟! إحنا كنا بنجيب لعب وهدايا لسلمى وعمر في كل عيد وسفرية، وأنت تأخدها وتقولنا ‘ما تضغطوش عليهم مريم مبتسمحش للولاد ياخدوا حاجة منكم’! أنتم سميت قلبنا كل السنين دي ليه؟!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى