روايات وقصص

الساحل

​في اللحظة دي، سلمى الصغيرة قربت من طارق، ورفعت الجاروف الوردي القديم وشاورت بيه عليه وقالت بعيون مليانة دموع: “بابا.. أنت قلتلي هتلعب معايا بالجاروف ده المرة الجاية.. طلعت بتكدب عليا كل السنين دي؟”
​الكلمة كانت وقعاً قوياً ثانياً على طارق، بس المرة دي كسر كبرياءه خالص.
​أنا وقفت بثبات، وبصيت في عيونه وقلت له بصوت هادي بس يقطع كالسيف: “11 سنة وأنا فاكرة إن أهلك هما اللي رافضين وجودنا.. 11 سنة وأنا متحملة المعاملة الباردة في المناسبات وفاكرة العيب مني أو منهم.. اتتارك أنت اللي كنت بتلعب بينا كلنا وتضربنا ببعض! ودلوقتي جه الوقت اللي تقولي فيه الحقيقة يا طارق.. أنت ليه كنت بتعمل كده؟ إيه اللي كنت مستخبي وراه وخايف نعرفه؟!”
​طارق بصلنا كلنا، وتنفس بصعوبة وكأنه بيهرب من المواجهة، وفجأة موبايله رن..
​بص على شاشة الموبايل، وعيونه اتوسعت وركبه ساحت من القلق.. حاول يخبى الموبايل في جيبه بسرعة وهو بيرجع لورا ناحية الباب، وقال بلعثمة: “أنا.. أنا هروح أشوف مين وبراجع لكم..”
​بس حمايا مسكه من قميصه ومنعه يخرج، وفي نفس اللحظة أنا لمحت الاسم اللي كان مكتوب على شاشة التليفون وهو بيرن.. اسم خلى الإحساس يتجمد في عروقي، وعرفت إن الأكاذيب بتاعة 11 سنة كانت مجرد قشرة لسر أكبر وأخطر بكتير!
أول ما حمايا “الحاج توفيق” مسك طارق من ياقته ومنعه يتحرك، الشاشة اللي كانت منورة في إيد طارق نورت أسامي وتنبيهات ورا بعض..
​كان مكتوب على الشاشة: “(رنا.. حبيبتي، أنتِ فين؟ طمنيني لما توصلي الشاليه التاني!)”
​الاسم ده نزل على الشاليه زي الصاعقة..
حماتي صرخت وحطت إيدها على بوقها بصدمة، وسارة أخته برقت وقالت بصوت مسموع: “رنا مين؟! دي تبقى بنت خالته اللي سافرت إسكندرية من أسبوع لوحدها وقالت إنها رايحة تتبسط مع صحابها في شاليه تاني! هو إيه اللعبة القذرة دي يا طارق؟!”
​طردت الهوا من صدري، وقربت من طارق وأنا باصة لعيونه اللي كانت تايهة وبترجف من الفضيحة:
“طلعت الحكاية مش مجرد سفرية ولا عادة عيلة يا طارق.. طلعت مختار تبعدني أنا ولادي عن أهلك، عشان تعرف تعيش حياتك التانية براحتك مع هانم العيلة؟!”
​طارق بلع ريقه بصعوبة وانهارت أعصابه خالص، وقعد على كراسي السفرة وحط إيده على راسه وبدأ يبرر ويزعق بحالة هستيرية:
“أنتو مش فاهمين حاجة! الموضوع مش زي ما انتم متخيلين! أنا.. أنا اتجوزتها من ٣ سنين عشان…”
​الحاج توفيق مَد إيده بشدة وصرخ بصوت رعد:
“اخرس! متكملش ولا كلمة! يا خسارة تربيتي فيك.. متجوز من ورا أهلك، وبتوقع بين مراتك وأولادك وبيننا، وبتمثل دور الأب المظلوم والراجل الصابر طول الـ ١١ سنة؟! كنت بتلعب بقرين ومخ الكل عشان تداري على عمايلك!”
​حماتي “الحاجة فاطمة” قعدت على الكرسي وهي بتعيط وتلطم على وشها من القهرة:
“يا مصيبتي السودا.. يعني الحفيدين دول وأمهم كانوا مظلومين طول السنين دي في رقبتك، وأنا مفكرة مراتك هي اللي مش طايقانا ولا بتبص في وشنا! سامحيني يا بنتي.. حقك عليا أنا، سامحي ولية عجوز اتضحك عليها زي العيال!”
​قربت من حماتي وقعدت قدامها على كراسي السفرة، ومسكت إيدها المرتعشة، ونزلوا دمعتي غصب عني، بس قلت بصوت ثابت وقوي:
“ما تقوليش كده يا حاجة فاطمة.. حضنك ليا وللولايا النهارده وغضبك على الباطل هو أكبر حق رجعلي. أنا متأكدة إنك كنتِ ضحية زينا بالضبط لكذب طارق وتلاعبه.”
​عمر، ابني الكبير، قرب من أبوه وهو بيبصله نظرة أخيره كله احتقار وقال بصوت هادئ أكبر من سن بكتير:
“أنت مكنتش بس بتكدب على عماتي وجدو وتيتة.. أنت كنت بتكدب علينا إحنا كمان.. كنت بتستخسر فينا حتى كلمة طيبة أو رحلة تفرحنا، عشان تروح تصرف فلوسك ووقتك في مكان تاني.. أنا عمري ما هسامحك على اللي عملته في ماما ولا فينا.”
​كلمات عمر نزلت على طارق زي السكينة الحامية.. بص لابنه وهو مش قادرة ينطق حرف واحد، والكل في الشاليه كان بيبصله بنظرة قرف واستنكار ملهاش وصف.
​الحاج توفيق وقف وقام بطولته، وشد طارق من دراعه بغضب وعنف وقاله:
“تلم هدومك دي كلها دلوقتي وتطلع بره الشاليه ده.. وأقسم بربي لو فكرت تقرب لمراتي أو عيالك تاني أو تلمس مليم واحد من حقوقهم، لكون مبهدلك في المحاكم وأفضحك قدام الدنيا كلها! أطلع بره!..”
​طارق ما قدرش ينطق بكلمة.. لَم هدومه المتبقية في الشنطة وهو منهار ومكسور، وخرج مطاطي راسه، والعيلة كلها واقفة وراه بتتفرج على نهايته اللي هو صنعها بإيديه.
​بعد ما طارق طردوه وبره الشاليه، الجو هدي شوية، بس كان مليان مشاعر متدفقة من الندم والحب.
حماتي قامت وخدت سلمى وعمر في حضنها وقالت بصوت مليان عزم:
“من النهاردة يا مريم.. الـ ١١ سنة اللي فاتوا دول كأنهم ما عدوش.. سلمى وعمر دول ولادي أنا، وكل صيف وكل عيد وكل يوم جايين لي هنا.. ومحدش هيقدر يبعدكم عننا تاني أبداً.”
​بصيت لسلمى اللي كانت ماسكة الجاروف الوردي في إيدها بابتسامة واسعة وعيون لمعت بالفرحة، وحسيت إن الغمامة اللي كانت على عيوني ١١ سنة انكشفت أخيراً، وإن ربنا جابلي حقي وحق أولادي تلات مضاعف، قدام الكل وبأقوى نهاية ممكنة!
بعد ما طارق خرج مطأطأ الراس ومكسور، وساب الشاليه وراءه، الهوا النسيم اللي جاي من البحر دخل وكأنه بيغسل المكان من كل سنين الكذب والاختناق اللي عشناها.
​قعدنا كلنا سوا.. الحاج توفيق والحاجة فاطمة وسارة وإخوات طارق كلهم كانو حريصين يقعدوا جنبنا، وكل واحد فيهم كان بيحاول يعتذر بطريقته، ويعوض الولاد عن كل لحظة حسوا فيها بالقهر أو الإقصاء. سلمى وسارة دخلوا المطبخ يعملوا شاي، وعمر قعد مع جده بيتكلموا كأنه راجل البيت الجديد والسند الحقيقي ليا.
​في اليوم ده، حسيت إن الأيام الصعبة اللي فاتت دي كلها ما كانتش إلا امتحان لصبحي، وإنه ربنا دايماً بينصر المظلوم في اللحظة المناسبة وبالطريقة اللي تزلزل الباطل وترجع الحق لأصحابه.
​مرت الأيام اللي بعد الموقف ده سريعة وقوية..
طارق حاول يرجع كذا مرة عن طريق ناس من العيلة أو وسطاء، وكان بيبعت رسايل استعطاف واعتذار، بس كل محاولاته كانت بتخبط في حائط صلب. الحاج توفيق قفل الباب في وشه نهائي، وقال له بصريح العبارة: “اللي باع مراته وولاده ١١ سنة عشان أهوائه، ما لوش مكان وسطنا ولا ليه أمان بيننا”.. وطبعاً رنا “مراته التانية” سابته أول ما لفت وشها لقت إن الفضائح كشفته وإن كل ورقه اتحرقت وإن لا شاليه ولا فلوس ولا وضع اجتماعي بقى في إيده، وطلبت الطلاق فوراً، عشان يواجه عواقب أفعاله لوحده في النهاية.
​أما أنا.. فوقفت على رجلي بقوة أكبر.
رفعت قضية طلاق للضرر والنفقة، وخدت كل حقوقي أنا والولاد بالقانون وبدعم كامل وواقفة ضهر وسند من عيلة طارق نفسها اللي وقفوا في صفي ورفضوا يظلموني لحظة واحدة بعد ما الحقيقة ظهرت.
​في أول صيف حقيقي لينا بعد الأزمة دي..
كنا قاعدين كلنا تحت نفس الشمسية الزرقاء على شاطئ إسكندرية، الضحك مالي المكان، والولاد بيلعبوا في المية بلا عائق وبلا خوف. سلمى جابت الجاروف الوردي القديم اللي كانت محتفظة بيه، وبدل ما تقعد تحضنه وهي بتعيط، نزلت تحفر بيه على رملة البحر وهي بتضحك بصوت عالي ملا الشاطئ كله.
​بصيت لسما البحر الواسعة، وحسيت براحة غير طبيعية في صدري، وكلمت نفسي بصوت هادي:
“عمر الكدب ما بيدوم، وحق المظلوم بيجيله لو بعد حين.. والحياة الجديدة اللي بتتبنى على الصدق والعدل بتبقي أجمل بكتير من أي وهم كنا عايشين فيه.”
تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى