
— “عفواً يا حضرة.. أظن إنك قاعد في مقامي؟”
قالتها “زينة” بصوت هادي وثابت، وهي واقفة في ممر الطيارة وعينيها على مقعدها جنب الشباك في الدرجة الأولى.. بس المقعد للأسف ماكانش فاضي! كان قاعد فيه راجل بملامح وقورة، شعره أبيض، ولابس بدلة مقلمة غالية جداً، حاطط شنطته الجلد الفاخرة على رجله وفاتح الجريدة الاقتصادية بكل برود وأريحية.
الساعة كانت 9:18 الصبح، على متن الرحلة 212 المتجهة من نيويورك للندن. فوق رأس الراجل، رقم المقعد كان واضح وصريح: 2A.
وتذكرة زينة اللي في إيدها.. بتقول نفس الرقم بالحرف!
الراجل بص لها من فوق لتحت باستهزاء وتكبر، ومن غير ما حتى ينزل الجريدة للآخر:
— “يبقى بتظني غلط يا شاطرة.. الدرجة الاقتصادية ورا خالص، حوالي 30 صف من هنا.. إنتي سادة الممر، اتفضلي اتحركي.”
زينة مدّت إيدها بالتذكرة بهدوء:
— “حضرتك.. المقعد 2A.. جنب الشباك، ودي تذكرتي.”
رد بسخرية مقيتة:
— “أكيد الإدارة عملت غلطة.. الصراحة الأطفال اللي زيك مكانهم مش هنا خالص.”
الكلمة دي لفتت انتباه اللي حواليهم.. ست قاعدة في صف تاني نزلت تلفونها وتابعت الموقف، وشاب وسيم كان بيربط حزامه في الناحية التانية وقف وبص باهتمام. زينة وشها احمر شوية من الكسوف، هي مش متعودة تقل أدبها، وباباها دايماً كان مربيها تسافر وتتعامل بتواضع ومن غير ما تتباهى باسم عيلتها الكبير أو نفوذهم، بس ماكانتش تتوقع أبداً إنها تقابل قلة أدب وجحود بالشكل ده وهي بتاخد حقها القانوني!
زينة حافظت على هدوءها وقالت:
— “حضرتك ممكن يكون مقعدك الحقيقي هو 2B.. ياريت تراجع التذكرة بنفسك.”
غرور الراجل زاد، وتلاشت ابتسامته الباردة ليحل محلها الغضب:
— “إنتي بتتكلمي بجد؟ إنتي بتعلميني أقعد فين؟ أنا بطلع رحلات رجال أعمال دولية من قبل ما تكوني فكرة في دماغ أهلك!”
زينة ردت بكل ثقة ومن غير خوف:
— “ده شي يخصك يا فندم، بس مبيغيرش أرقام التذاكر.. ولا سيادتك ما بتفهمش في أبسط قواعد النظام؟”
واحد من الركاب القريبين ما قدرش يخبي ابتسامة وطلع صوت ضحكة خفيفة.. الراجل اتنرفز جداً والتفت بغضب ناحية الصوت، وبعدين رجع بص لزينة وقال بصوت عالي متعجرف:
— “إنتي عارفة إنتي بتكلمي مين؟! أنا ‘سامح التهامي’.. مالك شركات التهامي الكبرى!”
استنى ثواني عشان يشوف ملامح الخوف أو الانبهار على وشها.. بس زينة بصت لرقم المقعد اللي فوق كفشه وقالت ببرود تام:
— “وحضرتك تعرف إنت بتكلم مين؟”
ضحك باستهزاء:
— “عارف طبعاً.. حتة عيلة غرها إنها طايرة بدرجة رجال الأعمال!”
في اللحظة دي، لاحظت المضيفة “إليزابيث” التوتر في الممر، فقربت بسرعة وبابتسامة مهنية:
— “صباح الخير.. فيه أي مشكلة هنا يا فندم؟”
سامح اتكلم بسرعة عشان يسبق:
— “البنت دي متلخبطة ومش عارفه مكانها، ورافضة تفهم.”
زينة مدت إيدها بهدوء وأدت إليزابيث تذكرتها. المضيفة بصت فيها واقرت الاسم بتركيز:
زينة سليم – الدرجة الأولى – مقعد 2A.
ولما طلبت تذكرة سامح، لقت إن مقعده الحقيقي هو 2B.
إليزابيث بصت لسامح وقالت بجدية:
— “يا فندم.. حضرتك قاعد في المقعد الخطأ، ده مش مكانك، ياريت تتفضل تقعد في مقعدك الأصلي 2B.”
سامح عقد إديه بصدره برفض تام:
— “وإيه المشكلة؟! ما إحنا الاتنين قاعدين جنب بعض، هتفرق إيه يعني؟ أنا راجل أعمال دافع تذكرة كاملة، ومش هتحرك من مكاني عشان خاطر دلع عيال!”
إليزابيث:
— “يا فندم القواعد بتفرض…”
قطعها سامح بغلظة وهو بيشير لشنطة زينة البسيطة:
— “هي دي طالعة بـ ترقية مجانية ولا دي مساعدة خيرية ولا إيه؟ أنا مش هقوم عشان طفلة فاكرة نفسها ملكة!”
زينة في اللحظة دي حست إنها جابت آخرها، وقررت ترد.. بس فجأة سمعت صوت باباها جواه وهو بينصحها دايماً:
(يا زينة، حقيقة المعدن بتبان لما الناس ما بتبقاش عارفة إنتي بنت مين).
فتحت إيدها وسابت شنطتها، وقالت بصوت هادي خالي من الانفعال:
— “تمام يا فندم.. خليه قاعد.”
سامح رمش بعدم تصديق:
— “حقيقي؟ يعني عقلتي؟”
زينة بصت في عيونه بثبات غريب وقالت:
— “أيوة.. بس تفتكر هترتاح في الكرسي ده كتير؟”
ضحك بسخرية:
— “إيه؟ ؟”




