منوعات

“تحويشة العمر”

​بابا حضنه بقوة ودموع الفرحة لمعت في عينه، وقال بصوت مهزوز من السعادة:
​”ألف مبروك يا حبيبي.. طول عمري عارف إنك بطل وراجل وقدها.”
​في نفس اللحظة دي، جالي إشعار على موبايلي من موقع المنح الجامعية، بتأكيد قبول طلبي للحصول على منحة التفوق الكاملة اللي كنت بتمناها من سنين! بصيت לבابا ويوسف ودموع الفرحة نزلت على خدودي، وقولت بصوت عالي:
​”وأنا كمان يا بابا.. اتقبلت في منحة التفوق!”
​البيت كله اتحول لساحة احتفال صغيرة ودافية. وسام نفسها قربت منا وباركت لنا بابتسامة صادقة، وقالت بصوت هادي:
​”مبروك يا مريم.. مبروك يا يوسف، وتستاهلوا كل خير بجد.”
​قعدنا بالليل كلنا حوالين السفرة، وبابا حط إيده على كتافنا إحنا الاثنين وقال:
​”تعرفوا؟ أنا كنت فاكر إن الأمان هو الفلوس اللي بنحوشها في البنك، بس اكتشفت النهاردة إن الأمان الحقيقي هو أنتم.. نجاحكم، وإصراركم، وإنكم ما استسلمتوش للظروف.”
​بصيت ليوسف، وبعدين بصينا لبابا، وعرفنا وقتها إن المحنة اللي عدينا بيها كانت مجرد اختبار قاسي عشان تعرفنا قيمة بعض، وعشان تفتح قدامنا بيبان النور اللي ما كنتش هندخلها إلا بتعبنا وإصرارنا.
​حكايتنا ما انتهتش هنا.. دي كانت بس البداية الحقيقية لطريق طويل من النجاح والفخر اللي طال انتظاره.

​بعد مرور سنة كاملة.. كانت الأجواء في بيتنا اتغيرت تماماً وبقت تدب فيها الحياة بشكل حقيقي ومريح. العاصفة اللي هددت كل حاجة وعدّت علينا بقسوتها، سابت وراها أرض صلبة ومبنية على الصح والصراحة والمحبة الصادقة.
​وسام بقت شخصية تانية خالص؛ أدركت بمرور الوقت إن البيت الصح مش بيتبنى على حساب أحلام ولاد تانيين، وبقت تشيل مسؤولية التؤم بنفسها بكل حب واقتناع، والتوتر القديم اختفى وحل محله احترام متبادل بين الكل.
​أما عني وعن يوسف.. فحكايتنا كانت لسه في أولها. أنا بقيت طالبة جامعية متفوقة في كلية الألسن بعد ما كسبت منحة التفوق، ويوسف بقى اسم لامع في مدرسته بعد ما حقق المركز الأول على مستوى الجمهورية في مشروعه الهندسي.
​في ليلة ربيعية دافية، كنا قاعدين في الصالون، وبابا كان قاعد بيشرب شاي وباصص لنا نظرة مليانة رضا وفخر مش بيوصفه كلام.
​قربت منه وقعدت جنبه، وبصيت لحساب البنك اللي على موبايلي، ثم بصيت لإيديه الشقيانة اللي كانت سبب في كل خير بنعيشه.
​ابتسم بابا وقال بصوت هادي ودافي:
​”عارفة يا مريم؟ طول عمري كنت خايف الزمن يسرق مني بكره.. بس اكتشفت إن بكرة ده أنتم.. أنتم الأمان اللي بجد، ومهما الدنيا مالت، السند الحقيقي هو اللي بيخلينا نقف تاني مهما كانت الصدمة.”
​حطيت راسي على كتفه، ويوسف جه قعد قدامنا وضحكنا كلنا من قلبنا. التعب راح، والحلم بقى حقيقة قدام عينينا، وعرفنا كويس أوي إن مهما قابلت الإنسان ظروف صعبة، طول ما العيلة سند لبعضها، وطول ما الإصرار موجود.. مفيش حلم بعيد أبداً.
تمت

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى