
قرب الملف مني وقال:
“الجواز هيكون رسمي، وكل حاجة هتتكتب في عقد واضح، وكل طرف عارف حقوقه وواجباته.”
بصيت له باستغراب.
“وبنتي؟”
قال:
“هتعيش معاكي هنا.”
اتنفست ببطء.
“وعلاجها؟”
“عليّ.”
الكلمة دي هزتني.
لأني في اللحظة دي ما كنتش بفكر في فلوس، ولا في فرق السن، ولا الناس هتقول إيه.
كنت بفكر في بنتي.
في صوت نفسها وهي بتكح.
في الليالي اللي كنت بصحى فيها مفزوعة علشان أتأكد إنها لسه بتتنفس.
قلت له بصوت واطي:
“وحضرتك عايز مني إيه؟”
اتكأ على العصاية وقال:
“مش عايز حب.”
سكت لحظة ثم أكمل:
“ولا عايز منك تمثلي دور الزوجة العاشقة.”
قلبي دق أسرع.
قال:
“كل واحد في أوضة. حياتنا قدام الناس جواز طبيعي ومحترم، لكن بينا اتفاق واضح. أنتِ تكملي شغلك وإدارة البيت زي ما أنتِ، وأنا أوفر لكِ وللبنت حياة مستقرة.”
بصيت للورق.
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني جواز على أساس واضح. من غير وعود كدابة.”
كنت لسه ببص للملف لما قال:
“أما موضوع إنك تخافي على بنتك… فده انتهى.”
رفعت عيني له.
“إزاي؟”
“لأن علاجها من النهارده مش مشكلتك.”
سكت.
ما قدرتش أرد.
كان قدامي راجل أكبر مني بسنين طويلة، بيتكلم عن الجواز كأنه بيتكلم عن صفقة، لكن الصفقة الوحيدة اللي كانت في دماغي وقتها كانت حياة بنتي.
مديت إيدي للقلم.
كانت بتترعش.
وبين خوفي وكرامتي، وبين كلام الناس وصوت سلمى وهي بتكح في آخر الليل، وقعت باسمي.
أنا ما اتجوزتش علشان الفلوس.
وما اتجوزتش علشان الحب.
أنا اتجوزت علشان بنتي تعيش.
أول ست شهور عدوا بشكل غري
الحاج محمود وفى بكلامه.
اتنقلت أنا وسلمى للفيلا، وخدوا بنتي لدكاترة متخصصين، وبدأت علاجها بانتظام.
وبعد فترة، حصلت المعجزة اللي كنت فاكرة إنها مستحيلة.
الكحة قلت.
وبعدها بقت نادرة.
وبنتي بدأت تجري في الحديقة، تضحك، وتطلب مني أعمل لها سندوتشات وهي بتجري في البيت.
كنت ببص لها وأحمد ربنا كل يوم.
أما الحاج محمود، فكان عايش في الجزء الغربي من الفيلا، وأنا وسلمى في الجناح الشرقي.
كنا بناكل أحيانًا على نفس السفرة، لكن الكلام بينا كان قليل جدًا.
هو رجل غامض، وأنا ست دخلت الجواز ده وهي عارفة إنه مش جواز طبيعي.
لكن كل حاجة اتغيرت في الأسبوع التاني من شهر أكتوبر.
بدأت ألاحظ حاجات صغيرة.
الحاج محمود بقى يخرج من مكتبه بعد العشا بدل ما يقفل على نفسه زي عادته.
وفي كذا مرة، كنت أعدي من قدام أوضة سلمى وألاقيه واقف بعيد عند الباب.
مش داخل.
بس واقف.
بيسمعها وهي بتعزف على الأورج الصغير اللي جبتُه لها.
وفي مرة، شوفته بيبصلها بطريقة خلتني أقف مكاني.
ما كانتش نظرة راجل كبير لحفيدة.
كانت فيها حاجة تانية.
حاجة ما فهمتهاش.
وحاجة خوفتني.
بعدها بدأت الهمسات.
أدخل المكتبة، ألاقي الكلام سكت فجأة.
أبص لسلمى، ألاقيها بتبص للحاج محمود.
وأول ما تشوفني، تغير الموضوع.
وفي يوم، لقيت باب أوضتها مقفول بالمفتاح.
خبطت.
“سلمى؟”
ردت بسرعة:
“أيوه يا ماما.”
“افتحي.”
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
“أنا بذاكر.”
استغربت.
“من إمتى وإنتِ بتقفلي الباب وإنتِ بتذاكري؟”
ما ردتش.
ومن يومها، بدأت تقضي وقت أكتر في الجزء الغربي من الفيلا.
كل ما أسألها:
“كنتِ فين؟”
تقول:
“كنت مع الحاج محمود.”
في البداية حاولت أقنع نفسي إن الموضوع عادي.
راجل كبير عاش لوحده سنين، وبنت صغيرة دخلت حياته فجأة، يمكن اتعلق بيها.
يمكن شاف فيها البنت اللي ما خلفهاش.
يمكن أنا اللي دماغي بتوديني وتجيبني من كتر الخوف.
لكن إحساس الأم عمره ما بيكدب بسهولة.
وفي ليلة، وأنا قاعدة لوحدي في أوضتي، بصيت للسقف وافتكرت كل حاجة.
الجواز.
العلاج.
الفيلا.
الحاج محمود.
وسلمى.
وسألت نفسي السؤال اللي كنت بهرب منه:
هو الحاج محمود دفع تمن علاج بنتي فعلًا… ولا كان فيه تمن تاني أنا لسه ما اكتشفتوش؟
لأني وقتها بدأت أحس إن الاتفاق اللي وقّعت عليه من ست شهور، واللي كنت فاكرة إنه أنقذني أنا وبنتي…
يمكن يكون هو نفسه السبب اللي حياتنا كلها.




