
في اللحظة دي، وفي مكتبه الفخم، كان يوسف قاعد قدام الشاشة بيتفرج على اللقاء.
أول ما الكاميرا جابت وش سليم بوضوح، يوسف اتنقل من مكانه وقرب الشاشة وعينه طالعة لبره!
م جالوش أي خبر عني من عشر سنين.. ودلوقتي، وأدام عينه مباشرة، طفل عنده عشر سنين نسخة طبق الأصل منه وهو صغير!
في الاستوديو، المذيع بص لي بابتسامة وقال:
“أستاذة فاطمة، اتكلمنا عن شغلك ونجاحك، بس فيه سؤال الجمهور كله بيموت ويطرحه.. إيه حكاية الوالد أو الزوج؟”
حسيت بإيدي بتتشبث بإيد سليم.
لمدة عشر سنين، حميت الحتة دي من قصتنا، وم نطقتش بحرف يربط اسم ابني بيوسف الجارحي أبداً.
وبعدين.. رفعت عيني وبصيت لعدسة الكاميرا مباشرة.
المذيع كان مستني الإجابة، وسليم جنبي مش فاهم السر اللي ورا السؤال ده.
ولأول مرة من عشر سنين.. قررت إني مش ههرب بعيني تاني.
“في الحقيقة..” بدأت كلامي والمذيع بيميل قدام عشان يسمع، “.. فيه سر عن أبوه.. عمري ما قلته لأي مخلوق قبل كدة..”
تعدي أيام قليلة على الصدمة دي، وأنا قاعدة في بيتي الصغير الهادئ مع ابني “سليم”. بصيت لشاشات التليفون ولسه صوت البوست وكلام الناس بيرن في ودني.
مش قادرة أصدق إنه اتجرأ ونزل الصورة دي للعلن بالبساطة دي!
لم تعد الصورة مجرد ذكرى قديمة لسفرية عمل ولا لقطة مجمعة من مؤتمر شركات، زي ما كان بيبرر لي زمان. كان هو ده “يوسف الجارحي” نفسه، قاعد بكل راحته في كافيه شيك وراقي في وسط البلد، ومبتسم ابتسامة عريضة على ضوء الشموع جنب “بثينة”، بينما مئات التعليقات من أصحابنا المشتركين نازلة تهنئة وتبريكات ولا كأنهم يعرفوا إن كان لي بيت واسم عنده!
همست لنفسي وأنا قاعدة في الصالة الواسعة بتاعت بيتي الصغير المستأجر:
“للدرجة دي.. البجاحة ملوش آخر؟!”
تذكّرت الأيام اللي كنت قاعدة فيها مستنياه يخلص شغله المتأخر، وهو بيكلمني من التليفون بصوت واطي عشان “الشغل” والسرية. تذكّرت إزاي كنت بصدق كل كلمة حب وقلق كان بيمثلها عليّ.
بس خلاص.. اللي فات انتهى، والست اللي كانت بتستنى على الأبواب اختفت هي كمان. النهاردة أنا أم لـ “سليم”، وملكة في مملكيتي الصغيرة “صباح الخير” اللي بنيتها بعرقي وتعب إيدي من غير ما أمد إيدي لده ولا لده.
رفعت عيني لقيت سليم واقف قدامي، بيبصلي بعيونه العسلي الواسعة اللي فيها نفس نظرة أبوه بس براءة الأطفال:
“ماما.. مالك زعلانة ليه؟ هو فيه حد ضايقك في اللقاء التلفزيوني النهاردة؟”
ابتسمت بحب وخدته في حضني، وشميت ريحته اللي بتطفي نار قلبي كله:
“ولا حد يقدر يا روح قلبي.. أنا بس بافتكر قد إيه إحنا أقوياء، وإزاي ربنا عوضنا بكل حاجة حلوة.”
سليم هز راسه ببراءة وهو مش فاםم إن الكلمة اللي كنت هأنطقها على الهوا بعد ثواني.. هتزلزل إمبراطورية يوسف الجارحي كله!
في الاستوديو، تحت نور الكاميرات الساطع، الوقت كأنه وقف.
المذيع وليد كان مستني بلهفة، وعيون ملايين المشاهدين في مصر وخارجها كانت مسمّرة على الشاشة. أما في Detroit، وفي مكتب يوسف الجارحي الفخم، كان الراجل واقف قدام الشاشة متسمّر مكانه، عيونه جاحظة وشايف صورة الطفل اللي كأنها مرايا لشكله وهو عنده عشر سنين.
“في الحقيقة..” بدأت كلامي وصوتي هادئ وقوي، ما فيهوش ذرة قلق واحدة، “.. فيه سر عن أبوه.. عمري ما قلته لأي مخلوق قبل كده، بس بما إننا بنفتح صفحة جديدة قدام الناس كلها، فوقت الحقيقة جه.”
سليم ابني كان باصص لي بفضول براءة الأطفال، مش فاهم إيه حجم القنبلة اللي أمه على وشك تفجيرها.
“أبوه مش شخص غريب عن السوق ده..” كملت كلامي وأنا ببتسم ببرود، وباصّة لعدسة الكاميرا مباشرة كأني باصّة في عين يوسف نفسه، “.. أبوه هو راجل أعمال مشهور جداً، واحد بيحب السرية والشو الإعلامي مع ناس تانية، بس للأسف.. نسى إنه ساب وراه ورق رسمي، وزواج شرعي استمر سبع سنين كاملين.. وساب وراه أبناً بيحمل شبهه، بس للأسف، البيه كان مشغول يحتفل بخمس سنين حب مع ست تانية، وناسي إن الديون القديمة بتدفع بالفوائد!”
الاستوديو كله اتصدم! المذيع وليد اتخض وفتح بوقه ومش مصدق الجرأة دي على الهوا مباشر:
“قصدكِ يا أستاذة فاطمة إن.. إن ابنكِ هو ابن..؟”
“أه يا وليد بيه..” قاطعته بثبات، “.. ابني سليم.. هو ابن يوسف الجارحي!”
في نفس اللحظة.. في مكتب يوسف:
فنجان القهوة وقع من إيد يوسف واتكسر قطع كتير على الأرض! الكلمات نزلت عليه كأنها صاعقة رعد في عز الضهر.
“فاطمة..!” نطق الاسم بصوت مزيج من الصدمة والقلق، وهو بيبص لشاشة التليفزيون كأنه مش مصدق ودانه ولا عيونه.
عقله وقف. عشر سنين وهو فاكر إنه تخلص من الماضي بكل سهولة، وإنه قدر يشتري حياته الجديدة مع بثينة، وإنه رمى ورقة طلاق لست مفكرها ضعيفة ومش هتقدر تقف على رجليها!
ولكنه لقى نفسه على الهوا مباشرة، قدام ملايين البشر، بيتفضح على إيد الست اللي استخسر فيها كلمة حلوة زمان، وهي بتقدم له ابنه اللي ما كانش يعرف عنه حرف واحد!
تليفون مكتبه بدأ يرن بجنون.. الصحافة اتجننت، والشركاء والمستثمرين بدأوا يتصلوا بأسئلة ماليهاش حصر، وإمبراطورية يوسف الجارحي اللي بناها على أسس غير سليمة.. بدأت تتهز من أساسها في ثواني معدودة!
الحلقة خلصت، بس كابوس يوسف الجارحي كان لسه في أوله.
مفيش خمس دقايق بعد ما الحلقة انتهت، وكانت التليفونات في مكتبه بتضرب بجنون. السوشيال ميديا اقلبت، واسم “يوسف الجارحي” و”فاطمة” تصدر تريند مصر والعالم العربي كله في ثواني معدودة. الصحافة والبرامج التلفزيونية بقت تحاصر شركاته، والأسهم بدأت تهتز في البورصة؛ لأن المستثمرين مبيحبوش فضائح الشرف والخداع الأخلاقي، خصوصاً لما تكون مربوطة برجل أعمال بحجمه.
بثينة دخلت عليه المكتب وهي منهارة وبتصرخ:
“إيه اللي مرتك ده عملته يا يوسف؟! إيه الكلام ده على الهوا؟! الناس كلها بتسأل مين الولد ده، وإزاي كنت متجوز عليها سبع سنين وإنت بتقولي إن مفيش غيري في حياتك؟!”
يوسف كان قاعد على كرسيه، عيونه جاحظة وشايف روحه بتتسحب منه، وشريط السبع سنين اللي ضحك فيه عليها وصغرها.. بيلف قدام عينه زي الفيلم.
“اطلعي بره يا بثينة.. اطلعي بره دلوقتي!” زعق بصوت عالٍ خلى بثينة تجري برا المكتب وتعيط.
وقف يوسف قدام الإزاز الكبير لمكتبه اللي بيبص على البلد كلها، وحس إن الإمبراطورية اللي بناها بكل قسوة وجشع.. بتتهد فوق دماغه بسبب ست هو افتكر إنه كسرها ونسيها للأبد.
وفي الوقت ده، كنت أنا قاعدة في العربية مع سليم، راجعة بيتي الهادئ. تليفوني كان بيفايبرت بلا توقف من كتر المكالمات والرسائل، بس ما ردتش على ولا مكالمة. فتحت الشاشة وبصيت لسليم وهو نايم على الكنبة في العربية بتعب وأمان، وبست راسه بحب وأنا بقول لنفسي:
“السبع سنين اللي ضاعوا مني زمان.. رجعت حقهم تلات ضعف، ودي مجرد البداية يا يوسف!”
بس، وقبل ما مركبنا ترسي على الهوا الهادي، التليفون رن برقم خاص.. رقم أنا حفظاه أصم، رقم يوسف الجارحي بنفسه!
فتحت السكة، وصوته المبحوح والمصدوم وصلني من الناحية التانية:
“فاطمة.. انتِ.. انتِ عملتي فيا إيه؟ وليه خبيتي عني ابننا كل السنين دي؟!”
ابتسمت ببرود وشموخ، ورديت عليه بصوت واثق يقطر قهر:
“ابني؟! تصدق يا يوسف.. دلوقتي بقى اسمك ‘ابننا’؟! لما كنت مستنية منك نظرة حنان أو تقدير، كنت بتقولي إننا سر في الضلل.. أظن النور اللي اتفتح ده كفاية عشان تحس بالحرارة ولا إيه؟!”
وسديت السكة في وشه من غير ما أديه فرصة ينطق بحرف زيادة!
تاني يوم، الدنيا كانت مقلوبة فوق راس يوسف الجارحي. الصحافة والصحفيين واقفين طوابير قدام باب شركاته، والبورصة نزلت مؤشرات شركاته للأسفل، وبثينة سبت البيت وسافرت لهلها بعد ما فضيحته بقت على كل لسان.
يوسف ماقعدش مكانه.. عرف مكاني ومكان كافيهات “صباح الخير” بتاعتي، وجالي بنفسه.



