روايات وقصص

الدولاب

​”كنت في الشهر السادس من حملي، واقفة في أوضة البيبي اللي لسه مجهزة كل ركن فيها بحب.. فتحت الدولاب عشان أرتب لبس النونو اللي غسلته وطبقته بعناية، فلقيته فجأة.. مفيش أثر لأي قطعة هدوم أطفال! كل اللي لقيته كرتونة مقفولة مرمية على الأرض، ومترص جوه الدولاب بدل هدوم ابني.. ستة عشر كوتش رجالي قديم! والأغرب، إن تحت آخر علبة جزمة، لقيت جرايد قديمة وظرف أبيض بخط إيد أنا متأكدة منه.. رغم إن صاحبه من شهور!”
​القصة بالعامية المصرية (بروح وثقافة إسلامية):
​أنا اسمي “ليلى”. عندي 29 سنة، ويوم الأحد، كان باقي بالظبط ست أيام على موعد ولادتي.. أوضت البيبي في بيتنا البسيط كانت المفروض تكون الواحة اللي كل حاجة فيها متظاهرة ومرتبة عشان ترتاح عينينا. سرير النونو متجمع، الستائر متعلقة، وكرسي هزاز خشب صغير مستنيني جنب الشباك.
​قضيت الصبح كله بغسل هدوم النونو الجديدة بصابون رقيق عشان جلد البيبي الحساس. كان فيه قطع لونها أخضر هادئ مرسوم عليها أهلال، وتانية صفراء مرسوم عليها بطات صغيرة، وقطعة بيضاء جميلة حماتي “فاطمة” جابتها لنا هدية أول ما بشرناها بخبر الحمل. شلت الكومة الدافية وماشية بيها في الطرقة، وإيد تحت بطني بحذر، وأنا باصص للأكمام الصغيرة أوي دي وبتخيل شكل ابني وهو فيها.
​وبعدين.. فتحت باب الدولاب.
​علب كوتشات شفافة كانت على الرف اللي فوق، وغيرهم مغطي الرف اللي تحت. شماعات قماش معلقة على ماسورة الدولاب، وكل جيب فيها محشور جواه كوتش رجالي. أبيض، أسود، أزرق، وأحمر باهت. كوتشات نعلها ممسوح من كتر المشي.. وفيه جوز منهم عليه خيط أزرق غرزه واضحة على الكعب. ريحة الدولاب كانت ريحة جلد قديم ومستعمل، مش ريحة النضافة والطهارة بتاعة هدوم الأطفال.
​هدوم ابني مبقتش متعلقة على شماعتها. كانت مترصصة ومكومة جوه كرتونة نقل مكتوب عليها “المطبخ”، كأن حد طاردهم بره الأوضة دي من غير ما يستأذن مني. فواصل الرفوف الخشبية اللي لسه شريها كانت مرمية على الأرض جنبها، ولفافة شماعات أطفال ناعمة لسه متفتحش غلافها راقدة تحت الكرسي الهزاز.
​”طارق؟” ناديت بصوت مش مصدق.
​جوزي ظهر في باب الأوضة وهو ماسك علبة كوتش تانية ضاغطها على صدره.
​”أه..” قالها بصوت متوتر، كأنه اتقفش وهو بينقل حاجة سرية. “إنتِ هنا؟”
​”إيه اللي حصل لهدوم البيبي؟”
​عينه اتحركت بسرعة وبصت للكرتونة اللي على الأرض. “لميتهم في مكان واحد عشان يفضلوا نضاف.”
​”ليه؟”
​”كنت محتاج الدولاب في حاجة تانية.”
​بعدت خطوة عشان يشوف أنا باصصة على إيه. “حاجة تانية؟! إنت مالك الدولاب كله جزمة رجالي؟!”
​”موضوع مؤقت.”
​”مؤقت إزاي؟! الولادة قربت وإحنا المفروض نكون مخلصين الأوضة دي قبل ما الناس تبتجي تبارك لنا وتزورنا.”
​”أنا عارف ميعاد ولادتك كويس يا ليلى.”
​صوته مكنش عالي.. وعشان مكنش عالي، كان مرعب أكتر. كان بيكلمني كأني بسأله عن مشوار تافه مش عن أول ركن مجهزينه لابننا في دنيتنا.
​شديت عيني للكرتونة وقلت: “دي الهدوم اللي غسلتها إمبارح بالليل! وإحنا اخترنا الشماعات دي مع بعض، وإنت بنفسك اللي ساعدتني أقيس طول الماسورة عشان تكون في مستوايا!”
​”البيبي مش محتاج دولاب بحاله أول ما يتولد.”
​”ولا البيبي محتاج ستة عشر جوز كوتشات رجالي قديمة!”
​بص من جبي لرفوف الجزم وقال بحزم: “إياكِ تلمسيهم.”
​الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة قبل ما ألحق أنطق. طارق عمره ما كلمني بالطريقة دي ولا اتعامل معايا بالناشف كده في حاجة تخص بيتنا. في تلات سنين جوازنا، كنا بنتخانق أحياناً على فواتير، على مواعيد سفر، أو مين عليه الدور يجيب الطلبات.. عمرنا ما اتخانقنا على مين ليه حق يلمس إيه في بيتنا.
​”جزم مين دي؟” سألته وبصتله بعينين واسعتين.
​”بتاعتي.”
​بصتله بذهول. طارق أقصى ما عنده في الجزم كان جزمة شغل، وكوتش جري، والجزمة البني اللي بيلبسها في المناسبات. عمري ما شفت الكوتشات الرمادي المقشرة اللي في الرف اللي تحت دي، وللأسف بعضها أصلاً أصغر من مقاس رجله!
​”من إمتى؟”
​”معايا من زمان.”
​حط علبة الكوتش على الرف وعدلها عشان الورقة تتدارى في الحيطة.
​وهنا.. لاحظت حاجة تانية مرعبة؛ ماسورة الدولاب التانية اللي طلبناها عشان نوطيها ونعرف نعلق هدوم البيبي في مستوى واطي أعرف أجيبه بسهولة.. مش موجودة! كانت مفكوكه ومركونة في ركن الأوضة ومتلف حواليها فوطة قديمة.
​”إنت فكيت الماسورة؟”
​”كنت محتاج مكان.”
​”كنت ممكن تسألني!”
​طارق فرك جبينه بتعب: “لو كنت سألتك.. كنتِ هترفضي.”
​”إنت ماتعرفش! كنت ممكن نتفاهم.”
​”أنا عارف إنك طول الوقت بتقوليلي لازم نتخلص من كركبة البيت والحاجات القديمة.”
​افتكرت لما كنت بقوله أحياناً إنا مش لازم نحتفظ بكل كرتونة قديمة أو أجهزة بايظة للابد.. بس عمري ما كنت أقصد أبداً حاجات أبوه الله يرحمه! وأصلاً مكنش عندي فكرة إن الجزم دي موجودة من الأساس.
​”أنا قلت ننظف الكركبة العادية، مش معنى كده ترمي حاجتك المهمة!”
​”كله بيبقى واحد أول ما تقفي في الأوضة ومعاكي كيس زبالة.”
​الجملة جرحتني لدرجة إن لساني وقف. أنا أكتر واحدة وقفت جنبه وساعدته يروق مطبخ أبوه الله يرحمه بعد ما مات، أنا اللي غلفت فناجين القهوة القديمة بتاعته في ورق جرايد بحزن عشان طارق مكنش قادر يمسكها، أنا اللي حفظت ورقة الوصفات بخط إيد أمه.. عمري ما طلبته يرمي ذكرى تخص أبوه أبداً!
​نزلت بركبتي بحذر على الأرض عشان ألم شماعات البيبي اللي وقعت.. ومن الزاوية الواطية دي، لمعت عيني على حاجة مستخبية تحت علبة كوتش بيضاء على الرف اللي تحت: ظرف أصفر كريمي مكتوب عليه بخط أبوه المتوفى بحروف بارزة وواضحة:
​”إلى طارق.. قبل ما البيبي يجي.”
​نفسي اتخطف للحظات.
​أبو طارق توفى في شهر أغسطس اللي فات.. وكارت عيد ميلاده الأخير لسه محطوط على باب التلاجة بмаغناطيس. خط إيده كان مايل لليمين، وكل حرف كان مضغوط بقوة لدرجة إنه معلم في الورقة اللي تحته.
​”طارق..” قلت بصوت هامس ومرجوف. “إيه ده؟”
​جوزي اتحرك بسرعة جنونية.. أسرع حركة شفتها منه طول اليوم. رفع علبة الكوتش، خطف الظرف من على الأرض، وحطه في جيب بنطلونه الخلفي في لمح البصر.
​”ده ماليش دعوة بيكي.. ده خصوصي.”
​”ده مكتوب ليك إنت! وإيه اللي جابه تحت الجزم بالطريقة دي؟”
​”عشان حطيته هنا.”
​”إنت قريته؟”
​فكك عضلة فكه بعصبية وقال: “لا.”
​”امال مخبيه ليه؟ وخايف منه ليه؟”
​لحظتها.. حسيت إنه هينهار. عينه لمعت بدموع خفية، والغضب اختفى فجأة من على وشه. مد إيده شال كرتونة هدوم البيبي ومشي بيها برة الأوضة.
​”هنقل الكرتون في مكان تاني عشان ما يبقاش في سكة حد.” قالها وهو ماشي.
​مشيت وراه لحد باب الأوضة: “طارق.. دي هدوم ابننا.. مش كركبة عشان تبعدها!”
​مبصش ورا خالص.
​وفي آخر الطرقة.. كانت حماتي “فاطمة” واقفة جنب المطبخ ولابسة بالطوها، كانت لسه داخلة بمفتاحها الاحتياطي عشان تجيب معانا كراتين ومستلزمات لتجهيز البيت. بصت للكرتونة في إيد طارق.. وبعدين بصت لوشي المخطوف.
​ولثانية واحدة.. حسيت في عيون الحجة فاطمة نظرة رعب حقيقية.
​”يا ماما فاطمة..” قلت بصوت مهزوز: “إنتِ كان عندك علم باللي بيحصل ده؟”
​اخدت نفس طويل قوي.. وبصتلي وقالت:
​”يا ليلى.. فيه حاجات عن الجزم دي.. كان لازم أقولهالك قبل ما يدخلها البيت من الأساس.”
​وفي اللحظة دي.. طارق اللي كان ماشي وسابني.. وقف مكانه في نص الطرقة كأنه اتمسمر.

​”يا ابني.. لو سمحت بلاش.”
حطت الحجة فاطمة شنطتها على رخامة المطبخ. كانت ستة وأربعين (أقصد في الستينيات من عمرها، ست عملية جداً، من اللي بتجمع الأستيك المطاط وتحفظه حوالين الظروف القديمة، ودايماً تيجي قبل معادها بربع ساعة). من يوم ما جوزها مات وبقت أهدى بكتير، بس لحد اللحظة دي.. عمري ما شفتها تايهة ومش عارفة تتصرف قدام ابنها بالشكل ده.
​”جبت الكراسي.” قالتلي وهي بتبصلي. “قلت يمكن تحتاجوها يوم السبت.”
​”متشكرة يا ماما.. بس مش ده اللي سألته عنه.”
طارق عدل وضع كرتونة هدوم البيبي على جنبه وقال بصوت مشدود: “يا ليلى.. ينفع نأجل الكلام ده لبعدين؟”
​”هو ده وقته؟ ‘بعدين’ كان قبل ما تفضي الدولاب! ‘بعدين’ كان قبل ما تفك الماسورة!”
​فضل باصص في الأرض. والحجة فاطمة بصتله وبعدين حولت وشها بعيد.
​”الجزم دي تخص شخص عزيز ومهم..” قالت في الآخر بصوت خافت. “بس دي مش قصتي أنا اللي أحكيها لوحده.”
​كنت هطير من الغيظ وأقولها إنهم الاتنين خلوا القصة تخصني بالغصب أول ما نقلوا هدوم ابني من غير حتى ما يستأذنوني.. بس اكتفيت إني أقول ببرود: “تمام.. يبقى هو اللي هيحكيلي. النهاردة بالليل.”
​طارق حط الكرتونة على سرير أوضة الضيوف وطلع على الجراج. والحجة فاطمة شالت كراسي السفرة بهدوء وحطتها مكانها، وبعدين مشيت بعد ما ضغطت على إيدي بحنان من غير أي تفسير ولا اعتذار.. كل اللي سابته وراها كان نظرة خوف وقلق على الطرقة.
​لحد وقت العشا.. كنت اتأكدت من حاجة واحدة: تغيير أوضة النونو مكنش قرار طيش لحظي ولا صدفة. علب الجزم كانت متقاسعة بالمسطرة عشان تدخل جوه الرفوف بالظبط. طارق فك الماسورة التانية بمفك البراغي، وهو اللي اشترى الشماعات القماش وركبها وأنا في الشغل. كان عامل خطة.. وخطة محكمة جداً عشان تضمن تبعدني عن الصورة.
​أنا بشتغل في قسم الحسابات بمركز علاج طبيعي. الخريف ده كان بيخلص وأيامي كانت مليانة فواتير تأمين، وحسابات مرضى، ومكالمات لناس مش فاهمة هي عليها كام. وبالليل كنت برجع بيتنا على ميزانية دقيقة محسوبة بالقرش. إجازة وضعي هتبقى مدفوعة بشكل جزئي مش كلي، وكنت أنا وهو بنحوش القرش على القرش عشان الشهور اللي الجاي فيها دخل واحد بس لازم يكفي البيت. أوضة البيبي مكنتش مبذرة؛ معظم العفش كان مستعمل وحنا اللي جددناه بإدينا. نظام الدولاب الجديد مكلفش كتير، بس كنت حوشت تمنه من مصروف البيت.. كانت حاجة عملية أقدر أتحكم فيها في وسط زحمة الخوف والقلق اللي مسيطرين عليا وأنا حاسة إني تايهة قدام فكرة إني هبق أم قريباً.
ودلوقتي.. جه حد فك كل تعبي وقالي إني مكبرة الموضوع عشان كام رف!
​على الساعة سبعة.. لقيت طارق واقف في المطبخ بياكل رقائق الفطور (سيريال) وهو حانِي ضهره فوق الحوض.
​”لازم نتكلم.” قلتله.
​”أنا عارف.”
​”طب ابدأ.. وقولي ليه كذبت وقلت الجزم دي بتاعتك؟”
​نزل المعلقة في الطبق وقال: “هي بتاعتي دلوقتي.”
​”الإجابة دي مش هي اللي سألت عليها.”
​”وهو التفاصيل الصغيرة دي هتفرق في إيه؟”
​”هتفرق لو إنت بتكذب عشان خايف مني ولأنك فاكر إني هبقى قاسية معاك لو عرفت الحقيقة!”
​بصلي بنظرة حادة: “أنا ماقلتش إنك قاسية.”
​”إنت قلت بالحرف إني هاجي ومعايا كيس زبالة!”
​”قلت كده عشان إنتِ بتحبي كل حاجة متستفة.. كل درج متبرشم.. وكل مصروف مكتوب في إكسل شيت.”
​”عشان في بيبي جاي في الطريق يا طارق! مش هينفع نستعد لوصوله بأننا نعمل نفسنا مش شايفين الميعاد اللي بيقرب!”
​فرك ودانه بوش مغمض: “أنا كنت بس عايز مكان واحد أجمع فيه الجزم دي مع بعضها!”
​”ليه الأوضة دي بالذات؟”
سكت ومردش.
​”ما إحنا عندنا الدولاب اللي تحت السلم! عندنا صناديق تخزين في البدروم! كان ممكن نصلح رفوف الطرقة!”
​”دولاب السلم زحمة.”
​”ده مليان إضاءات كريسماس ومروحة مكسورة، نقدر ننقلهم.”
​”إنتِ مش فاهمة.”
​”عندك حق.. أنا مش فاهمة.” قلتله بصرامة. “عشان إنت أساساً رافض تحكيلي.”
​لثانية واحدة.. حسيت بكسرة وخجل في عينه، وبعدين قال بصوت واطي: “دي جزم أبويا.”
​كنت عارفة الإجابة قبل ما ينطقها.. بس رغم كده، لما سمعتها بصوت عالي، الجو جوه المطبخ اتغير كلياً. أبوه متوفى من عشر أسابيع بس. السكوت اللي سابوه بعد موته لسه عايش في كل ركن في بيتنا: الكرسي الفاضي قدام العربية لما بنزور أمي، الطريقة اللي طارق كان بيقطع بيها كلامه في نص الحكاية، وماتشات الكورة اللي بطل يتفرج عليها عشان كان متعود يكلم أبوه في الدقيقة السابعة من الشارت التاني دايماً.
​”ليه ما قلتليش من الأول؟” سألته بهدوء.
​”عشان كنتِ هتعتبريها فكرة سخيفة إن يبقوا ستة عشر جوز جزمة.”
​”ممكن أشوف إن ستة عشر جوز جزمة جوه أوضة البيبي حاجة غريبة.. بس ده موضوع تاني خالص.”
​”شايفة؟”
​”يا طارق، بلاش تحول النقاش لدليل إني مش مهتمة بأبوك وبذكراه!”
​عينه دمعت.. وبان عليه الغضب لأنه مش قادر يخبي دموعه: “لحد دلوقتي لسه ريحتهم شبه بيته.”
​المبرر ده نزل عليا كالصاعقة.. مكنتش متوقعة الإجابة دي أبداً.
​”لما بفتح الكراتين دي..” كمل كلامه بصوت مهزوز: “بقدر أفتكره وهو ماشي على العتبة.. بقدر أسمع صوت مفاتيحه. أمي لما روقَت دولاب هدومه، فجأة البيت كله بقا كأن أبويا مَعاش ولا كان فيه! حسيت إني مش قادر أتحمل المنظر.”
​الغضب اللي جوايا مخنسش.. بس ساب مكان لحاجة تانية أثقل بكتير وأصعب في الشيل.
​”كان لازم تقولي.”
​”أنا عارف.”
​”وبرضو.. لسه لازم ترجع هدوم البيبي لمكانها.”
​ملامحه اتغيرت فجأة: “ممكن تديني مهلة لبعد السبوع.. أقصد بعد الولادة؟”
بصتله بذهول: “ده معناه شهور يا طارق! إنت بتطلب مني أعمل نفسي مش شايفاها، وأصلاً الأوضة مش بتاعتنا كده!”
​”أنا بطلب منك ما تخلينيش أحس إني برمي أبويا في الزبالة للمرة التانية!”
​”أنا ما بطلبش منك ترميه.. أنا بطلب منك ما ترميش ابننا برا أوضته!”
​زق طبق السيريال في الحوض بعنف لدرجة إنه خبط وطلع صوت عالي مزعج.. وسكتنا الاتنين لساعات طويلة بعدها.
​بليل.. متأخر وقبل الساعة إحدى عشر، شلت هدوم البيبي كلها بإيدي ورجعتها أوضة النونو. بس مكنش ينفع أعلقها.. لأن كل شماعة وكل رف كان محجوز! فحطيت الطقوم المطوية جوه الكومودينو، واضطريت أشيل البطاطين والحفاضات عشان الاقي مكان ليهم. وسيبت الكرتونة الفاضية مرمية في الطرقة.. كنت عايزة طارق يشوفها أول ما يصحى الصبح.
​وقبل ما أنام، وأنا بقلب في تليفوني على الساعة إحدى عشر بالليل، لقيت إيميل في مجلد تحضيرات النونو المشترك بينا. الراجل الصنايعي اللي ركب الماسورة التانية بعت رسالة يوم الجمعة اللي فاتت وبيقول فيها: (أقدر أرجع أركب الماسورة تاني أول ما طارق ياكد لي إن الدولاب فاضي وجاهز).
​يوم الجمعة! يعني طارق فك الماسورة أصلاً قبل حتى ما أفتح أوضة النونو وأشوف حاجة يوم الأحد.. وكان قايل للصنايعي ماجيش دلوقتي!
​دخلت أوضة النوم وتليفوني في إيدي: “إنت قلت له يستنى.”
قعد طارق مفزوع على السرير: “مين؟”
​”الراجل اللي ركب دولاب البيبي. إنت بعتله وقلتله إحنا هنكلمه لما الأوضة تجهز!”
​بص في الشاشة وسكت ومردش بكلمة واحدة.
​”الموضوع مابقاش بس حكاية جزم أبوك يا طارق.. الموضوع إنك بتأخد القرارات لوحدك، وتقرر اللي هيمشي في البيت ده، وتسيبني أفاجأ بالوضع كأني غريبة!”
​”مكنتش عارف أشرحلك إزاي.”
​”يبقى كنت حاولت بجد!”
​نمت تلك الليلة و”مخدة” فاصلة بيننا على السرير.. مش لأني كنت عايزة أقسيه أو أعاقبه، بل لأني مكنتش قادرة أتحمل فكرة إنه يمد إيده ليا وكأن كل الخراب ده محصلش وكأن الأمور طبيعية!
​وتاني يوم الصبح.. قبل ما أزل للشغل، التليفون رن وكان الحجة فاطمة.
​”تقدري تعدي عليا بكرة بالليل يا ليلى؟” سألتني بصوت جاد. “لوحدك.. في حاجات لازم أورهالك.”
​”طارق يعرف؟”
​”لا.. ودي غلطة من الغلطات اللي عملتها.”
​سكتت لحظة، ولما رجعت تتكلم كان صوتها شبه الهمس:
“أبو طارق.. كان سايب وصية وحاجة مهمة جداً عشان ابنكم يا ليلى.. بس أنا عمري ما حكيت لطارق هو قال فيها إيه بالضبط.”
صاحبتي “نورا” كلمتني في التليفون عشان تسأل لو محتاجين طرابيزات إضافية ليوم العزومة والزيارة. كنا متعرفين على بعض من أربع سنين في الشغل، وهي اللي ساعدتني أصلاً أدهن أوضة النونو في يوم خريفي رطب.
​”محتاجة أجي بدري أساعدك؟” سألتني بحماس.
​”ممكن.”
​”صوتك تعبان.. فيه إيه؟”
​حكيت لها على حكاية الدولاب وجزم حمايا، وبلعت سيرة الظرف الأبيض للآخر. نورا فضلت ساكتة لحد ما خلصت كلامي كله، وبعدين قالت: “أنا ممكن أفهم ليه هو متمسك بحاجة أبوه.. بس مش لدرجة إنه يخليكي إنتِ اللي تدفعي التمن وتخمني هو محتاج إيه من غير ما يتكلم!”
​”ابتديت أفكر ألغي زيرات الناس للأوضة.”
​”اعملي كده.. ده بيتك مش معرض للفرجة. ولو تحبي أنقل لك التجمعات برة في الليفينج، أنا معاكي.”
​العرض البسيط ده كاد يخليني أنهار من العياط. بقالي يومين الكل بيتناقش هو “طارق” مستحمل إيه، ونورا كانت أول حد يسألني أنا محتاجة إيه!
​بعد ما خلصت شغل.. طلعت على بيت الحجة فاطمة، البيت الهادئ اللي في الشارع القريب من الجنينة اللي طارق تعلم فيها يسوق عجلته لأول مرة. السلم كان مكنوس ونظيف، ووعيين ورد بلدي أصفر محطوطين جنب الباب. جوه.. ريحة البيت كانت قهوة وصابون ليمون بتمسح التراب. الحجة فاطمة كانت مجهزة شاي وحطت ألبوم صور قديم على الترابيزة. ومبدأتش بأعذار.
​”كان لازم أوقف المهزلة دي من أولها..” قالت لي بصوت مكسور. “دي أول حاجة عايزاكي تسمعيها مني.”
​فتحت الألبوم على صورة صيفية قديمة. أبو طارق كان واقف جنب ترابيزة بيكنك.. مبتسم لحاجة بره الكادر، ولابس قميص أزرق باهت وبوت أبيض مربوط بخيط أزرق نظيف على الكعب.
​”الجوز ده..” قالت وهي بتخبط بصوبعها على الصورة. “ده اللي كان لابسه يوم ما جيتوا بشرتونا بصورة السونار وقولتوا إنكم مستنيين بيبي.”
​افتکرت اليوم ده كويس. روحنا لها ومعانا كيكة من السرفيس وظرف صغير فيه صورة السونار. حمايا الله يرحمه مسك الصورة بإيديه الاتنين وفضل ساكت لفترة.. هو أصلاً كان راجل قليل الكلام وجمله بسيطة: «خلي بالك من المطر.. حط سترة في العربية.. كلميني لما توصلوا». وفي اليوم ده قال بجملته الهادئة: «أهلاً.. فيه حد جديد لسه ما شفتوش جاي في السكة».
​مات قبل ما البيبي يلحق يكبر كفاية عشان يحس بخبطة رجل جوه بطني.
​الحجة فاطمة قلبت صفحة تانية. في صوة تانية كان قاعد جنب طارق وهو صغير بيربط له رباط الجزمة. وفي صورة تانية ماشي وماسك إيدين حفيدين بتوع جارهم، كل طفل في إيد. مكنش في الجزم دي أي تمن غالي؛ كان بيشتري حاجات عملية يتحرك بيها في الشارع أو ورشة الصيانة، ويصلحها بدل ما يرميها لحد ما تتهالك.
​”كان محتفظ بجزم كتيرة..” قالت فاطمة بصوت دافي. “ابنك ورث منه عادة الاحتفاظ بالحاجات القديمة دي. أبو طارق كان دايماً يقول إن الجزمة الكويسة لازم تتلبس في الأماكن اللي الناس محتاجاك فيها بجد.”
​”وليه ستة عشر جوز؟”
​”بعضهم مكنش هينفع يرميهم.. وبعضهم خلعهم لما بدأت صحته تتعب وبقى يدور على جزم أسهل في اللبس. عارفة يا ليلى؟ إنسان ممكن يسيب وراه ألف حاجة عادية.. وفجأة كل حاجة تخصه بتبان مهمة وغالية.”
​عارفة.. طبعاً عارفة. بعد الجنازة، شفت طارق قاعد ماسك لسته طلبات جمعية قديمة مكتوبة بخط إيد أبوه وفضل باصص فيها عشر دقايق كاملة لمجرد أن الخط ده بيخصه.
​”الحاجات دي كلها كانت محطوطة في دولاب الطرقة هنا..” كملت فاطمة كلامها. “ولأسابيع بعد ما مات، كنت برجع البيت وأشوف الكراتين دي.. أتصور إن جوه في الأوضة التانية بيبدل هدومه عشان نازل تمشية. أحياناً كنت بنادي باسمه قبل ما أفتكر إنه مشي خلاص.” عيونها فضلت لازقة في الصور. “مكنتش قادرة أتحمل يا ليلى.. عشان كده طلبت من طارق ياخد الجزم معاه.”
​”ده حقك، وأنا مقدرة.”
​”ده مش كل القصة..” قفلت الألبوم بهدوء. “طارق سألني يحطهم فين.. وأنا كنت عارفة إن بيتكم ضيق، وكنت عارفة إن عندكم الدولاب الصغير بتاع أوضة النونو. وقلت له.. ‘أبوك كان نفسه يكون جزء من حياة البيبي.. يمكن الجزم دي مكانها جنب البيبي’.”
​بصيت لها بذهول تام: “إنتِ قلتيله كده؟”
​”أيوه.. كنت فاكرة ساعتها إن الكلام ده هيهديه، وكنت عايزة أنقلهم من طرقتي من غير ما أحس إني بطرد ذكرى جوزي للبعيد.”
​”يا حجة فاطمة.. إنتِ كنتِ عارفة إنه حطهم في دولاب البيبي؟”
​”مش بالحرف.. بس لما قال لي هو ناوي يعمل إيه، أنا معترضتش.. وبالعكس، ساعدته يدور على الصופان الشفافة كمان!”
​مقدرتش أصدق إن جملة واحدة ممكن تتغير وتقلب المعنى كله بس لما صاحبها يعترف بدوره فيها.
​”وكنتِ عارفة إنه فك الماسورة؟”
​”جاب سيرة.. وكنت باقنع نفسي إنه هيرجع كل حاجة لمكانها قبل ما الولد ييجي.”
​”وكنتِ عارفة إني ماكنتش أعرف؟”
​هزت راسها بإيجاب. ولثانية واحدة.. حسيت إني مش مشفقة على ولا واحد فيهم! حسيت إني غريبة في بيتي اللي اتنقلت كراتينه واتغير نظامه من ورا ضهري بمعرفة اتنين بيشاركوا في حزن أنا مفروض أحترمه بس ممنوع أشوف تفاصيله.
​”كان لازم تقوليل لي من الأول.”
​”عندك حق.”
​”مش عشان كنت عاوزة الجزم دي تترمي.. بل لأني كنت استاهل أكون جزء من النقاش الحاصل في بيتي!”
​”عندك حق يا بنتي..” قالتها بصوت أصغر وأضعف بكتير.
​قمت عشان أستأذن وأمشي، بس وقفتني لما حطت صورة قديمة رفيعة على الترابيزة. كانت نفس صورة حمايا بالبوت الأبيض، بس مقلوبة على وشها. وضهرها كان مكتوب بخط إيده الواضح والصريح ست كلمات بالظبط:
​”للصغير القادم.. في يوم من الأيام.”
​”هو كتبها بايده..” قالت فاطمة. “كان عاوز طارق يحتفظ بحاجة للبيبي.. بس مش بالشكل اللي أنا سيبته يفسره ويفهمه بيه.”
​”تقصدي إيه؟”
​”هو حكي لي.. وبعدين كتب الجواب ده لابننا لأنه كان حاسس إنه مش هيبقى موجود عشان يشرح بنفسه.”
​افتكرت في لحظتها الظرف اللي طارق خباه في جيب بنطلونه.
​”الظرف اللي مكتوب عليه ‘قبل ما البيبي يجي’؟”
​فاطمة رفعت وشها بصدمة: “إنتِ شفتيه؟”
​”هو لسه ما فتحهوش.”
​غمضت عيونها وقالت بحرقة: “يبقاش ماشي طول الفترة دي شايل الإجابة معاه من غير ما يفتحها.. وأنا كنت أجبن من أني أقوله الحقيقة بنفسي!”

​رجعت البيت على الساعة تسع بالليل. الشقة كانت هادية كأنها بتمتحن صبري. طارق كان قاعد على الكرسي الهزاز في أوضة الضيوف، وظهره للباب، وفي إيده الظرف الأبيض القديم.. الظرف اللي خط أبوه المايل لليمين ملا صَفحته.
​لما حس بوجودي، قفل الظرف بسرعة وحطه جنبه على الترابيزة، كأنه اتقفش بيعمل حاجة غلط.
​”كنت عند أمي.” قلتها وأنا بفرد الجاكيت بتاعي على كنبة الليفينج بصوت هادئ ومستقر.
​مردش في الاول، وبعدين قال وهو باصص في الأرض: “عارف.. كلمتني وقالت لي إنك زرتيها.”
​”وقالت لك كمان هي اعترفت لي بإيه؟”
​شد شفايفه بعصبية ورفض يبص في عيني: “قالت لي إنها ساعدتني.. وإني غلطت لما خبيت عنك.”
​”مش بس كده يا طارق.” قربت منه خطوة. “إنت مَشيت ورا خوفك، وهي مشيت ورا شعورها بالذنب.. وسبتوني أنا الاتنين تايهة في بيتي، كأني ضيف مش صاحب مكان.”
​وقف من على الكرسي، وعينه كانت محمّرة كأنه متمالك نفسه بالعافية: “كنت خايف يا ليلى! لما أبويا مات.. حسيت إن الدنيا اتزحلقت من تحت رجلي. الجزم دي.. لمستها حسستني إنه لسه ماشي في البيت، وإن غيابه كدبة مؤقتة. ولما فكرت في البيبي الجاي، حسيت إن روحي بتتخنق وخايف أنسى صوت أبويا وسط زحمة العياط والتجهيز والمسؤوليات الجديدة.”
​الصوت اللي كان جواه إنساني جداً، وكسر جزء من الغيظ اللي جوايا. بس ده مكنش معناه إنه على حق.
​”أنا فاهمة حزنك يا طارق.. وعمري ما كنت هأمنعك تحافظ على ذكراه. بس بدل ما تبني سور بيننا، كان مفروض تبني جسر.. تخليني أشاركك الوجع ده بدل ما أحس إني عدو عاوز يطرد أبوك من حياتك.”
​مد إيده بتردد على الترابيزة، ومسك الظرف الأبيض اللي كان نايم هناك: “أمي قالت لك إنه ساب لي جواب؟”
​”أنا شفت الجملة اللي مكتوبة على ضهر الصورة القديمة.. وسمعت من أمك إنه كتب الكلام ده عشان عارف إنه ممكن يمشي قبل ما يشوف ابني.”
​”مفتحتوش لحد دلوقتي.” قالها وهو بيبص للظرف كأنه شايل قنبلة مش ورقة عادية. “خايف.. خايف أفتحه وألاقي كلام أضعف بكتير من إني أتحمله.”
​قعدت على كرسي السفرة قدامه، ومديت إيدي بالراحة: “فتحه معايا.. مش هتحتاج تشيله لوحدك.”
​أخد نفس عميق، وقطع طرف الظرف بصوابع مرجوفة. طلع ورقة كريمي قديمة مطبوقة بعناية، وفردها تحت النور الهادئ. خط أبوه الواضح ظهر قدامنا.. وبدأ يقرا بصوت خفيف كأنه بيخاف يصحى من كابوس:
​”يا ابني الغالي طارق..
لو الجواب ده وصلك، يبقى ربنا أخد أمانته ومش هكون موجود عشان أشيل ابنك وأقبله أول ما ينور الدنيا. عارف إنك هتشتاق لي، وعارف إن تدويرك على أي حاجة تفكرك بيا هيبقى غريزة جواك. بس إياك تخلي الحزن القديم يسرق منك فرحة الجديد.
الجزم القديمة دي.. مش هي الباقي مني يا طارق؛ الباقي هو الأيام اللي ربيتك فيها، والقيم اللي سبتهالك. اختار من جزمي دي جوز واحد بس.. حطه في مكان واضِح للبيبي، وقول له ده بتاع جده اللي كان بيتمنى يشوفك.. وباقي الحاجات، فرقها على محتاجين يدعوا لنا ولكل مسكين. خلي ذكرى أبوك سترة للفقير مش كركبة في وش ابنك اللي لسه جاي.”
​الكلمات نزلت في الأوضة زي نسمة هوا باردة ومريحة. طارق نزل راسه بين إيديه، وانهار في عياط صامت.. عياط بقاله عشر أسابيع مكتوم جوه صدره، بيحاول يخفيه ورا كراتين الجزم وترتيب الدولاب غلط.
​قمت وقفت جنبه، وحطيت إيدي الاتنين على كتافه، ونزلت لمستواه: “أبوك كان حكيم يا طارق.. حتى وهو مش موجود.”
​”أنا بوظت كل حاجة يا ليلى.. بوظت الأوضة، وخوفتك، وكنت غبي.”
​”إنت مكنتش غبي.. إنت كنت مجرد ابن مشتاق لأبوه.. بس جه الوقت ترجع ابنك لأوضته، وتنفذ وصية أبوك بجد.”
​تاني يوم الصبح.. الدنيا كانت مختلفة تماماً.
​طارق دخل أوضة النونو لوحده.. وشال بنفسه علب الكوتشات الستة عشر. اختار جوز واحد بس من الجزم القديمة.. الجوز اللي عليه الخيط الأزرق اللي ربطه أبوه بعناية، وحطه على أرفع رف في دولاب البيبي، جنب فواصل الخشب الصغيرة. وباقي الكراتين.. رتبها بهدوء ونزل بيها مع الحجة فاطمة عشان يوزعوها على ناس محتاجة تدعي للجد والمولود بالبركة.
​الماسورة التانية اتصلحت ورجعت تركبت في مكانها المظبوط.. وأنا رجعت علقت هدوم البيبي الصغيرة والهادية: القطع الخضراء اللي مرسوم عليها أهلال، والصفراء اللي فيها البطات، والقطعة البيضاء اللي جابتها حماتي بحب في أول يوم.
​يوم السبت.. البيت كان مليان ضحكات الناس والزوار. النور كان داخل من الشباك على كرسي السفرة، وعلى كرسي النونو الهزّاز الصغير. وأما عن أوضة البيبي.. فبقت أخيراً، المكان اللي كل حاجة فيه بتنطق بالسلام وبداية لحياة جديدة تشيل ذكرى الماضي وتفتح دراعاتها للمستقبل.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى