
خرجت ميرنا مع والدها، من غير ما تلتفت وراها، بينما عمر فضل واقف مكانه، حاسس إنه خسر جزءًا كبيرًا من فلوسه في محاولة للتخلص من قضية كان ممكن يتجنبها لو فكر بعقل قبل ما يتصرف باندفاع.
رجع شقته وهو شايل هم القرض والأقساط اللي هتفضل تطارده شهور طويلة، لكنه حاول يخبى ضيقه عن نجلاء. غير إن إخفاء الحقيقة ما استمرش كتير؛ فمع الوقت، بدأت مصاريف البيت تتراكم، وفلوسه اللي كانت بتتصرف على الخروجات والسفر والفرش الجديد خلصت، وبقى مطالب يسدد أقساط القرض ويلبى طلبات نجلاء في الوقت نفسه.
وفي إحدى الليالى، رجعت نجلاء من بره، وطلبت منه يحجز لهم رحلة جديدة، لكنه رد عليها بتعب:
مفيش سفر يا نجلاء، أنا مش معايا فلوس دلوقتى.
بصت له باستنكار، وكأنها مش مصدقة اللي سمعته.
يعنى إيه مفيش فلوس؟ وإنت مرتبك بيروح فين؟
أنا عليَّ قرض، وبسدد أقساطه، ولسه ورايا مصاريف كتير. لازم نهدى شوية لحد ما أقف على رجلى.
ضحكت بسخرية وقالت:
أقف على رجلك؟ هو أنا رجعت لك عشان أعيش معاك حياة كلها ديون وحرمان؟ إنت كنت بتوعدنى إنك هتعوضنى عن كل السنين اللي فاتت، ودلوقتى عايزنى أعيش على قد إمكانياتك؟
حاول عمر يسيطر على غضبه:
أنا ما وعدتكيش إنى هفضل أصرف من غير حساب، وأنا عملت اللي عملته عشان أخلص من قضية ميرنا وأرجع لها حقها.
ما إن ذكر اسم ميرنا حتى انفجرت نجلاء في وجهه:
أهو! كل اللي حصل ده بسبب ميرنا! إنت لسه بتدفع تمن جوازك منها، وأنا مالى بكل ده؟ أنا مش هضيع عمرى مع واحد مش قادر يعيّشنى زي ما أنا عايزة!
ومن يومها، بدأت نجلاء تتعامل مع عمر ببرود، وتفتعل الخلافات على أقل الأسباب، حتى إنها بقت تقارنه بالرجال اللي بتشوفهم في خروجاتها، وتلمّح له إنها تستحق حياة أفضل.
أما عمر، فكان بيحاول يتمسك بزواجه، ويقنع نفسه إن نجلاء هتهدى مع الوقت، وإن كل اللي محتاجه شوية صبر لحد ما يعدى أزمته المالية. لكنه كان كل يوم بيكتشف جانبًا جديدًا منها، جانبًا ما شافوش وهو بيجرى وراها عشان يرجعها لحياته.
وفي صباح يوم، فوجئ بها بتقول له بوضوح:
أنا عايزة الطلاق يا عمر.
رفع عينيه عن الأوراق اللي قدامه، وبصلها بعدم تصديق:
طلاق؟! إنتِ بتقولى إيه؟!
ردت ببرود:
بقول إنى مش عايزة أكمل معاك. أنا مش هفضل مع واحد مديون ومش قادر يحقق لى أبسط طلباتى.
قام من مكانه وقال بانفعال:
يعنى لما كنت غنى وبتصرف، كنتِ مبسوطة بيا، ولما ظروفى اتغيرت بقيتِ عايزة تسيبينى؟! ده أنا رجعتك وضيعت جوازى من ميرنا عشانك!
صرخت فيه:
وأنا ما طلبتش منك تطلقها بالطريقة دى! إنت اللي عملت كده بمزاجك!
كانت كلماتها كالسكاكين في صدره، لكنه رفض يطلقها، متمسكًا بما تبقى له من كرامة، أو ربما لأنه لم يحتمل فكرة أن المرأة التي خسر كل شيء من أجلها ستتركه هى الأخرى.
مرت الأيام، ونجلاء لم تتراجع عن قرارها، بل لجأت إلى المحكمة ورفعت دعوى خلع، وبعد استكمال الإجراءات القانونية، انتهى زواجهما بالخلع.
خرج عمر من المحكمة يومها وكأنه خرج من حياة كاملة، لا يعرف إلى أين يذهب، ولا كيف يبدأ من جديد. رجع إلى الشقة التي أنفق عليها أمواله، فوجدها ساكنة على نحوٍ موجع، وكل ركن فيها يذكّره بما فعله من أجل نجلاء، وبالديون التي أثقلت كاهله، وبميرنا التي خرجت من حياته منكسرة ثم استعادت حقها ومضت في طريقها.
جلس على الأريكة، وراح يسترجع ليلة الفرح، وصوت نجلاء وهى تضحك، ووجه ميرنا وهى تقف أمامه عاجزة عن استيعاب أنه طلقها بهذه السهولة. يومها ظن أنه انتصر، وأنه استعاد الحب الذي ضاع منه، لكنه الآن لم يعد يملك زوجة ولا مالًا، وبات محاصرًا بأقساط القرض وندم لا يعرف كيف يتخلص منه.
ومع مرور الوقت، تحوّل ندمه إلى غضب، والغضب إلى كراهية شديدة تجاه نجلاء. بدأ يقنع نفسه بأنها السبب في كل ما حدث، وأنها خدعته واستغلته حتى أخذت منه كل ما تستطيع، ثم تخلت عنه عندما لم يعد قادرًا على الإنفاق عليها. كان ينسى، أو يتعمد أن ينسى، أنه هو من اختار، وهو من طلق ميرنا أمام الناس، وهو من قرر أن يجعل حياته كلها رهينة لرغبات نجلاء.
وفي ليلة، اتصل بها وطلب مقابلتها، لكنها رفضت الحديث معه، وسخرت منه حين حاول أن يحمّلها مسؤولية ما وصل إليه.
قالت له بحدة:
إنت اللي اخترتنى يا عمر، وإنت اللي طلقت مراتك، وإنت اللي صرفت فلوسك. ماتجيش دلوقتى تلومنى على قرارات إنت أخدتها بإيدك!
أغلق الهاتف وهو يرتجف من الغضب، وشعر أن آخر خيط كان يربطه بالماضي قد انقطع. ظل يدور في الشقة ذهابًا وإيابًا، يستعيد كلماتها، ويزداد اقتناعًا بأنها دمّرت حياته، حتى غاب عنه صوت العقل، ولم يعد يرى أمامه سوى الانتقام.
وفي لحظة تهور خطيرة، اتخذ قرارًا مروّعًا، وخرج من شقته قاصدًا نجلاء، مدفوعًا بغضب أعمى ورغبة في معاقبتها على كل ما حدث.
لكنه لم يدرك أن اللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه ينتقم لنفسه، قد تكون هى اللحظة التي يهدم فيها ما تبقى من حياته إلى الأبد.
وصل عمر إلى المكان الذي كانت نجلاء تقيم فيه بعد طلاقهما، وكان الغضب يعمى عينيه، وكلما تذكّر ما خسره بسبب قراراته، ازداد اقتناعًا بأنها السبب في ضياع حياته. اتصل بها أكثر من مرة، لكنها تجاهلت اتصالاته، حتى أرسلت له رسالة قصيرة تخبره فيها أنها لا تريد رؤيته مرة أخرى.
كانت الرسالة كفيلة بأن تشعل ما تبقى من غضبه، فذهب إليها وطلب منها أن تخرج ليتحدث معها، وحين وقفت أمامه، قابلته بنظرة باردة خالية من أي مشاعر.
قال لها بصوت مرتجف من شدة الانفعال:
إنتِ مبسوطة كده يا نجلاء؟! أخدتى اللي إنتِ عايزاه، وسبتينى غرقان في الديون، وخسرت مراتى وبيتى وفلوسى، وفي الآخر رميتى كل حاجة ورا ضهرك ومشيتى!
ردت نجلاء باستهزاء:
وإنت كنت مستنى إيه؟ كنت فاكر إنى هفضل معاك عشان أساعدك تسدد ديونك؟ أنا من الأول قلت لك إنى مش هقبل أعيش في المستوى ده، وإنت اللي كنت مصمم ترجعنى!
اقترب منها خطوة، وقال:
أنا عملت كل ده عشانك!
صرخت في وجهه:
لأ يا عمر، إنت عملت كل ده عشان نفسك! إنت كنت عايز تثبت إنك تقدر ترجعنى، وإنك لسه قادر تتحكم في حياتى، ولما اكتشفت إنك مش قادر، قررت تحمّلنى الذنب كله!
