
ساد الصمت بينهما للحظات، وكانت كلماتها قاسية، لكنها لم تكن كاذبة تمامًا. فقد كان عمر يعرف في أعماقه أنه اتخذ قراراته بإرادته، وأنه لم يجبره أحد على طلاق ميرنا أو إهانتها أمام الجميع، لكنه لم يستطع مواجهة الحقيقة، فاختار أن يصب غضبه على نجلاء.
وفي لحظة فقد فيها السيطرة على نفسه، ارتكب فعلًا خطيرًا أنهى الواقعة بشكل مأساوي، ثم وقف مذهولًا أمام ما صنعته يداه. لم يعد هناك مجال للتراجع، ولم تعد اتهاماته لها قادرة على إعادة أمواله أو استرجاع زواجه أو إصلاح ما حطمه بقراراته.
حاول أن يستوعب ما حدث، لكن الحقيقة كانت أكبر من قدرته على الإنكار؛ لقد تجاوز كل الحدود، وحوّل ندمه إلى واقعة لن يستطيع الهرب من عواقبها.
وبعد اكتشاف الواقعة، بدأت التحقيقات، وانكشف ما جرى، وانتهى عمر أمام العدالة، يواجه مسؤولية فعله. لم يعد الأمر مجرد خلاف بين رجل وامرأتين، بل واقعة حقيقية تضرر منها إنسان، وتضررت عائلته معه.
أما ميرنا، فقد وصلها الخبر فشعرت بصدمة كبيرة. لم تفرح بما حدث لنجلاء، ولم تشعر أن ما جرى انتصار لها؛ فقد كانت تتمنى أن تنتهى تلك الحكاية بعيدًا عنها، وأن يواصل كل شخص حياته ويتحمل نتيجة اختياراته دون أن يدمّر حياة غيره.
جلست بجوار والدتها، وقالت بحزن:
أنا كنت عايزة حقى يا ماما، وكنت عايزة أعيش في سلام. عمرى ما تمنيت إن الأمور توصل لكده.
احتضنتها والدتها، بينما ربت والدها على كتفها وقال:
وإنتِ عملتى الصح يا بنتى. إنتِ طالبتى بحقك بالقانون، وما أذيتِيش حد. كل واحد مسؤول عن قراراته، وعمر هو اللي اختار الطريق اللي وصّله للنهاية دى.
ومع مرور الوقت، بدأت ميرنا تجمع شتات نفسها من جديد، وتفكر في مستقبلها بعيدًا عن الرجل الذي جعلها يومًا تشعر أنها بلا قيمة. عادت إلى حياتها، واهتمت بعملها، وقررت ألا تسمح لتجربتها السابقة بأن تسلبها قدرتها على الثقة بنفسها أو الاستمتاع بأيامها.
أما عمر، فقد خسر حريته، وبات عليه أن يواجه نتيجة فعله، بينما ظلت الحقيقة تلاحقه: لم تكن نجلاء وحدها سببًا فيما حدث، بل كان هو المسؤول عن اختياراته منذ اللحظة التي قرر فيها أن يهين زوجته ويطلقها أمام الجميع، بدلًا من أن يتحلى بالحكمة ويتحمل مسؤولية زواجه.
وهكذا انتهت الحكاية؛ نجلاء دفعت ثمن اختياراتها، وعمر دفع ثمن طمعه واندفاعه وفعله، أما ميرنا فاختارت أن تسترد حقها وتمضى في حياتها، لأن النجاة الحقيقية لم تكن في الانتقام منهما، بل في ألا تسمح لما حدث بأن يدمّر ما تبقى من عمرها.
