روايات وقصص

طليقه جوزى امانى السيد

قربت منه وقالت ببرود: براحتك، بس أنا مش هرجع أعيش نفس الحياة اللي كنت عايشاها قبل كده. إنت اللي اخترت ترجعنى، وإنت اللي قلت إنك هتعمل أي حاجة عشان نكون مع بعض.

اضطر يوافق على السفر، وفضل طول الأيام اللي بعدها يحاول يوفر فلوس الرحلة ومصاريفها، بينما نجلاء كانت بتخطط للفسح والخروجات اللي جاية، وكأن الفلوس مالهاش آخر.

وسافروا فعلًا، وقضوا أيام على البحر، وصورهم بدأت تظهر على مواقع التواصل الاجتماعى؛ نجلاء بتضحك في الصور، وعمر واقف جنبها، وكل شوية تنزل صورة جديدة وتكتب كلامًا عن السعادة والرجوع للحب القديم.

وفي الوقت اللي كانت فيه بتتباهى بحياتها الجديدة، كنت أنا قاعدة في بيت أهلى، بحاول أرجع لحياتى الطبيعية، وأتعلم إزاى أعيش من غير ما أربط سعادتى بوجود شخص تانى.

ماكنتش أعرف تفاصيل يومهم، لكن الصور كانت بتظهر قدامى أحيانًا، وكل مرة كنت بحس بوخزة في قلبى، خصوصًا لما أشوف الشقة اللي كنت بعتبرها بيتى بقت على ذوق نجلاء، وعمر بيحاول يرضيها بكل الطرق.

لكن مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ حاجة مهمة؛ نجلاء ما كانتش بتكتفى باللي عندها، وكل ما عمر يحقق لها طلب، يظهر طلب أكبر منه.

أما عمر، فكان لسه فاكر إن كل الفلوس اللي بيصرفها هتضمن له إنها تفضل معاه، من غير ما يدرك إنه بيستهلك مدخراته واحدة واحدة، وإن الرجوع اللي كان مستعد يخسر عشانه كل حاجة، ممكن يكون بداية خسارة أكبر بكتير مما تخيل.

وفي يوم، بينما كان قاعد بيحسب مصاريفه، اكتشف إن المبلغ اللي كان حاطه على جنب بدأ يقل بشكل مخيف، وإن المصاريف اليومية والفرش والسفر والتسوق سحبوا جزءًا كبيرًا من فلوسه.

رفع عينيه ناحية نجلاء، اللي كانت قاعدة قدامه بتتصفح الموبايل وبتتكلم عن رحلة جديدة، وحس لأول مرة إن فيه حاجة مش مطمئنة.

لكنه بدل ما يواجه الحقيقة، أقنع نفسه إنها مجرد فترة وهتعدى، وإن نجلاء لما تحس بالأمان معاه، هتقدر تعيش معاه بهدوء.

وما كانش يعرف إن الأيام الجاية هتكشف له إن الست اللي رجع لها عشان حبه القديم، كانت مستعدة تعيش معاه طول ما هو قادر يوفر لها الحياة اللي هى عايزاها، أما لما الفلوس تبدأ تخلص، فلكل حادث حديث.

بعد ما نجلاء خلصت تغيير فرش الشقة على ذوقها، كانت واقفة في نص الصالة بتتأمل شكل المكان الجديد برضا، الستائر اتغيرت، والكنب القديم اختفى، واشترت بدل منه طقم أغلى، وحتى أوضة النوم قررت تبدل فيها حاجات كتير، وكل ما عمر يعترض على المصاريف، ترد عليه إنها مش هتعيش أقل من المستوى اللي تستحقه.

وفي يوم، كان عمر قاعد في الصالة بيتصفح موبايله، لحد ما وصله إشعار رسمى من المحكمة بخصوص مطالبة ميرنا بحقوقها في قايمة المنقولات الزوجية.

فتح الإشعار، وبدأ يقرأه بتركيز، وكل ما يكمل سطر، ملامحه تتغير أكتر، لحد ما رمى الموبايل على الترابيزة بعصبية وقال:

يا نهار أسود! هى ميرنا رفعت عليَّ قضية قايمة بجد؟!

خرجت نجلاء من أوضة النوم، وهى بتظبط شعرها، وسألته باستغراب:

فى إيه يا عمر؟ مالك بتزعق كده ليه؟

رفع عينيه ناحيتها وقال بغضب:

المحكمة بعتت لى إخطار بخصوص قايمة ميرنا، وهى طالبة بحقوقها كلها!

ضحكت نجلاء بلا مبالاة، وقعدت جنبه وهى بتقول:

وإيه المشكلة؟ ما هى دى حقوقها، ولا إنت كنت فاكر إنها هتسيب لك كل حاجة وتمشى؟!

بصلها بصدمة من ردها، وقال:

إنتِ بتتكلمى بجد؟! دى القايمة فيها عفش وأجهزة وحاجات كتير، وإنتِ بنفسك شوفتى إننا غيرنا الفرش وبعنا حاجات واشترينا غيرها! أعمل إيه دلوقتى؟!

اتغيرت ملامح نجلاء للحظة، لكنها سرعان ما تماسكت وردت ببرود:

وانا مالى؟ إنت اللي اتصرفت في حاجتك، وأنا ما أجبرتكش على حاجة. وبعدين ما تقلقش نفسك من دلوقتى، شوف محامى يتصرف.

قام عمر من مكانه وهو بيمرر إيده في شعره بعصبية:

إنتِ مش فاهمة! دى مش مجرد خناقة بينى وبينها، ده موضوع بقى قدام المحكمة، ولازم أواجهه.

ردت نجلاء بنبرة مستفزة:

طب ما تواجهه يا عمر! ولا إنت كنت فاكر إنك لما تطلقها قدام الناس وتجيبنى أعيش مكانها، هى هتفضل قاعدة تعيط طول عمرها ومش هتطالب بحقها؟!

سكت عمر، لأن كلامها لمس حقيقة كان بيحاول يهرب منها. هو فعلًا ما فكّرش لحظة في مصير ميرنا بعد ما طردها من حياته، وكان متخيل إنها هتنسحب في هدوء، زي ما كانت دايمًا بتعمل، من غير ما تطلب منه أي حاجة.

لكن ميرنا المرة دى كانت مختلفة.

في بيت أهلها، كانت قاعدة جنب والدها، والمحامى بيشرح لهم الخطوات اللي هيتخذها بعد وصول الإخطار. ما كانتش بتدور على الانتقام، ولا مستنية عمر يندم ويرجع لها، كل اللي كانت عايزاه إنها تسترد حقها اللي ما تنازلتش عنه.

أما عمر، ففضل طول الليل يفكر في المنقولات اللي اتغيرت، والمبالغ اللي دفعها في الفرش الجديد، والإنذار اللي وصله، بينما نجلاء كانت بتقلب في صور رحلتهم الجاية وكأن مفيش أي حاجة حصلت.

ولأول مرة، بدأ عمر يسأل نفسه سؤالًا ماكانش بييجى في باله قبل كده: هل نجلاء فعلًا رجعت له عشان بتحبه، ولا رجعت لأنها عارفة إنه مستعد يخسر كل حاجة علشان يرضيها؟

اضطر عمر في النهاية إنه يقعد مع محاميه ويعرف منه إيه أفضل طريقة ينهى بيها قضية القايمة، خصوصًا إن موضوع تغيير العفش وبيع بعض المنقولات زوّد خوفه من العواقب القانونية. وبعد تفكير طويل، قرر إنه ياخد قرض من البنك، ويسدد لميرنا حقوقها عشان ينهى النزاع ويقفل الصفحة دى من حياته.

ولما راح لميرنا ومعاه والدها والمحامى، كانت المقابلة مختلفة تمامًا عن كل مرة شافها فيها. لا دموع، ولا عتاب، ولا حتى نظرة شوق. كانت قاعدة قدامه هادية، بتراجع الأوراق اللي تثبت حصولها على حقوقها، وكأنها بتتعامل مع شخص غريب مابقاش له مكان في حياتها.

بصلها عمر للحظات، ثم قال بصوت خافت:

كده إنتِ خدتى كل حقوقك، ومابقاش ليكى عندى حاجة.

رفعت ميرنا عينيها له وردت بهدوء:

أنا عمرى ما كنت عايزة منك غير حقى يا عمر. إنت اللي خليتنى أضطر آخده بالطريقة دى، ولو كنت احترمتنى يوم الفرح، ماكناش وصلنا للى إحنا فيه.

حاول يرد، لكنه ما لقاش كلام يقوله. وقّع على الأوراق اللازمة، وتمت التسوية وفقًا للإجراءات القانونية، وبكده انتهى النزاع على حقوقها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى