روايات وقصص

طليقه جوزى امانى السيد

مسكت إيده بسرعة وقلت: أرجوك يا بابا، أنا مش عايزة مشاكل، ومش عايزة حد يروح يتخانق معاه. أنا مش قادرة أتحمل أي حاجة تانى، كل اللي أنا عايزاه إنى أنسى اللي حصل.

بصلى بابا بحزن، وقعد جنبى وقال: محدش هيجبرك على حاجة يا بنتى، بس إنتِ مش هتضيعى حقك. إنتِ بنتنا، وكرامتك من كرامتنا، واللي حصل ده مش هنسكت عليه.

سبتهم ودخلت نمت. تانى يوم الصبح، صحيت من النوم على صوت ماما وهى بتخبط على باب أوضتى، فتحت عينى بالعافية وقعدت على السرير، وأنا حاسة إن جسمى كله متكسر من كتر العياط وقلة النوم. للحظات نسيت أنا فين، لكن أول ما عينى وقعت على أوضتى القديمة، افتكرت كل اللي حصل، وحسيت بوجع شديد في قلبى.

دخلت ماما وهى شايلة صينية الفطار، وحطتها قدامى وقالت بحنان: قومى يا حبيبتى، كلى أي حاجة، إنتِ من امبارح ما أكلتيش لقمة عدلة.

هزيت راسى وقلت: مش قادرة يا ماما، مش عايزة آكل.

قعدت جنبى ومسحت على شعرى وقالت: عشان خاطرى يا بنتى، لازم تقوى نفسك، اللي حصل حصل، ومش هينفع تفضلى تعذبى في نفسك بالشكل ده.

حاولت أسمع كلامها، وكلت كام لقمة بالعافية، وبعدها قمت غسلت وشى ولبست هدومى، وخرجت للصالة، لقيت بابا قاعد مستنينى، وأول ما شافنى قال:

يلا يا ميرنا، البسى عبايتك وتعالي معايا.

بصيت له باستغراب وسألته: رايحين فين يا بابا؟

هنروح لمحامى، عايز أعرف إيه حقوقك، وإزاى ترجعى كل حاجة تخصك، من أول قايمة عفشك لحد أي حق تانى ليكى.

اتوترت وقلت: يا بابا، أنا مش عايزة أدخل في مشاكل مع عمر، كفاية اللي حصل، أنا مش عايزة أشوفه ولا أسمع صوته تانى.

بصلى بابا بجدية وقال: وإنتِ مش مطالبة تشوفيه ولا تتكلمى معاه، المحامى هو اللي هيتصرف في الإجراءات. يا بنتى، إنتِ مش بتاخدى حاجة مش بتاعتك، إنتِ بتطلبى حقك، والراجل اللي اختار يطلقك قدام الناس كلها، كان لازم يفكر في كل ده قبل ما يعمل اللي عمله.

سكت شوية، وبعدها هزيت راسى ووافقت أروح معاه.

وصلنا مكتب المحامى، وبعد ما رحب بينا وسمع تفاصيل اللي حصل، بدأ يسألنى عن عقد الجواز والقايمة والدهب وأي مستندات تخص حقوقى. بابا وضح له إن عمر طلقنى في الفرح قدام عدد كبير من الناس، وإن عندنا رسالة منه بيطلب منى فيها أسيب الشقة بعد ما لمّيت حاجتى.

المحامى راجع الأوراق اللي معايا، وبعدها قال بهدوء: إحنا هنراجع كل المستندات ونحدد حقوق حضرتك والإجراءات القانونية المناسبة. المهم إنك تحتفظى بكل الرسائل وأي دليل متعلق بالموضوع، وما تمضيش على أي تنازل عن حقك من غير ما نفهم مضمونه كويس.

خرجت من عنده وأنا حاسة إن الحمل اللي على صدرى خف شوية، مش لأن وجعى انتهى، لكن لأن لأول مرة من ساعة اللي حصل، حسيت إن فيه حد هيتولى التعامل مع الموضوع بدل ما أكون مضطرة أواجه عمر ونجلاء بنفسى.

وصلنا البيت وقبل ما أنزل من العربية، بصلى وقال: إنتِ مش لوحدك يا ميرنا، فاهمة؟ مهما حصل، إحنا ضهرك وسندك.

ابتسمت له ابتسامة صغيرة، ونزلت وأنا بحاول أتمسك بكلامه.

وفي الوقت اللي كنت فيه بحاول ألم نفسى من جديد، كانت نجلاء بتبدأ حياتها مع عمر من المكان اللي أنا خرجت منه مكسورة.

أول ما دخلت نجلاء الشقة مع عمر، وقفت في نص الصالة، وبصت حواليها باشمئزاز، وقالت له: إيه يا عمر، إنت كنت عايش هنا إزاى بالشكل ده؟ هو أنا هرجع ألاقى نفس الفرش القديم ده لسه موجود؟!

عمر بص حواليه باستغراب وقال: مالُه الفرش؟ ده لسه كويس يا نجلاء، وإحنا مش محتاجين نغير كل حاجة دلوقتى.

ضحكت بسخرية وقالت: كويس بالنسبة لك إنت، إنما أنا مش هرجع أعيش في شقة مش على ذوقى. أنا هرجع بيتى، ومش هقبل بأقل من اللي كنت عايشاه زمان، وإنت بنفسك وعدتنى إنك هتعوضنى عن كل السنين اللي فاتت.

حاول يرضيها وقال: خلاص يا ستى، اللي إنتِ عايزاه هيحصل، بس بالراحة علينا شوية.

قربت منه، ولفت دراعها حوالين رقبته، وقالت بدلع: أنا عارفة إنك مش هتقدر ترفض لى طلب، عشان إنت لسه بتحبنى، وأنا كمان هرجع أعوضك عن كل الأيام اللي بعدنا فيها عن بعض.

الكلام ده خلاه يبتسم، وصدق إن رجوع نجلاء لحياته معناه إنه أخيرًا هيعيش السعادة اللي كان بيحلم بيها، من غير ما يفكر للحظة إن الست اللي رجعت له كانت شايفة في رجوعها فرصة تستعيد بيها كل اللي كانت نفسها فيه.

ومن تانى يوم، بدأت نجلاء تنفذ اللي في دماغها. جابت مهندس ديكور، وفضلت تلف معاه في الشقة، تختار ألوان الحيطان والستائر، وتغير أماكن الأثاث، وتطلب فرش جديد، وكل ما عمر يعترض على سعر حاجة، تبص له بضيق وتقول:

هو إنت رجعتنى عشان تعيشنى زي الملكة، ولا عشان تحسسنى إنى رجعت لواحد على قده؟!

فيضطر يسكت ويوافق، خوفًا من إنها تزعل وتغير رأيها في رجوعها له.

وخلال أيام قليلة، الشقة اللي كنت عايشة فيها اتغير شكلها تمامًا. الفرش القديم اختفى، والستائر اتبدلت، والأثاث الجديد اتملأ بيه المكان، وكل ركن بقى على ذوق نجلاء واختيارها، لدرجة إن عمر نفسه بقى حاسس إنه غريب في بيته.

لكنها ما اكتفتش بكده. بعد ما خلصت تجهيز الشقة، بدأت تطلب منه يخرجها كل يوم. مرة عايزة تتعشى في مطعم فخم، ومرة عايزة تشترى هدوم جديدة، ومرة تحب تخرج مع صاحباتها وتقضى اليوم كله بره.

وعمر، اللي كان لسه فرحان برجوعها، كان بيحاول يلبى كل طلباتها، حتى لو ده معناه إنه يصرف مبالغ كبيرة كل يوم.

وفي يوم، رجعت من جولة تسوق طويلة، وحطت قدامه أكياس كتير، وقالت بفرحة: إيه رأيك في الحاجات دى؟ مش قولتلك إنى محتاجة أغير كل هدومى؟ وبالمناسبة، أنا كلمت البنات، وهنسافر الساحل آخر الأسبوع.

عمر بص للأكياس باستغراب وقال: الساحل؟ دلوقتى؟ ما إحنا لسه صارفين كتير على الشقة والفرش!

اتغيرت ملامحها فورًا، وردت بحدة: يعنى إيه؟ إنت ندمان إنك رجعتنى ولا إيه؟ أنا من حقى أعيش وأتبسط، ولا إنت كنت فاكر إنك هترجعنى وأقعد محبوسة بين أربع حيطان؟

اتنهد عمر وقال: ما قولتش كده يا نجلاء، أنا بس بقول نهدى شوية في المصاريف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى