
فتحت الظرف ورميت الأوراق المطبوعة قدام كل واحد فيهم. بابا مسك الورق وبدأ يقرا، وعينيه كانت بتوسع من الصدمة.. اتضح إن بابا نفسه ما كانش يعرف إن أمي وندى هم اللي خططوا للتنازل عن ليلى للدرجة دي مقابل العقد! أمي كانت مفهمة بابا إن سعيد هو اللي فرض ده فجأة يوم الفرح وبابا اضطر يوافق!
”أنتِ… أنتِ عملتي كده يا إلهام؟” بابا سأل أمي بصوت بيترعش وهو مش مصدق.
أمي اتلخبطت وصرخت فيا: “أنتِ جبتي الورق ده منين؟! دي إيميلات خاصة! أنتِ بتتجسسي علينا؟”
قمت وقفت بثبات وقربت منها: “المحامية بتاعتكم أرسلتها بالخطأ.. ربنا هو اللي أراد إن الحق يظهر، وإن القناع الزائف اللي مخبي قسوتكم يقع! أنتِ بعتي مشاعر طفلة ملهاش أي ذنب، كسرتِ فرحتها، وخليتيها تشك في نفسها وتسألني بالليل بصوت مكسور «ماما هو أنا وحشة؟»… كل ده عشان عقد شغل ورسميات؟!”
ندى بدأت تعيط: “نوران أرجوكِ تفهمي.. بابا كان هيأفلس والشركة كانت هتقفل!”
زعقت فيها ولأول مرة في حياتي أصرخ فيهم كده: “كان ممكن تيجوا تقوليلي الحقيقة! كان ممكن تتعاملوا بشرف! لكن تمثلوا على طفلة خلتوها تنام مكسورة الخاطر وتبكوا قدام الناس وتقولوا «بنتك شقية ومكانها مش هنا»؟! أنتِ وأمك معندكوش رحمة!”
أمي حاولت تمسك إيدي وهي مرعوبة من منظري: “نوران.. إحنا أهلك، والدم عمره ما يبقى مية، والفلوس دي كانت عشان العيلة كلها—”
قطعتها وسحبت إيدي بقوة: “الدم اللي يبيع أطفاله عشان الفلوس م يلزميش. من النهاردة.. مفيش بنت اسمها نوران، ومفيش حفيدة اسمها ليلى. شيلتكم من حياتنا للأبد.”
سبتهم وخرجت وأنا أسمع صوت بابا وهو بيتخانق مع أمي لأول مرة في حياته بزعيق يهز البيت، وصوت ندى وهي بتبكي.
من اليوم ده، قطعت علاقتي بيهم تماماً. غيّرت أرقام تليفوناتي، ونقلت شغلي لفرع تاني، وعشت أنا وبنتي في هدوء وسلام. ليلى كبرت وعرفت إن أمها مستعدين تقف قدام العالم كله عشان تحمي كرامتها ومشاعرك.. وأمي وأختي خسروا الحاجة الوحيدة اللي الفلوس متقدرش تشتريها: “العيلة والحب الحقيقي”.
عدت شهور على الليلة اللي واجهتهم فيها بالإيميلات. كنت فاكرة إن الخروج من حياتهم هيكون نهاية المطاف، بس الحقيقة إن القرارات اللي بتاخدها على حساب مشاعر الناس بتلف وتلف وترجع لأصحابها.
بعد شهرين من انقطاعنا التام عنهم، بدأت الأخبار توصلني عن طريق معارف مشتركين.
العقد اللي أمي باعت حفيدتها عشانه؟ طلع النقمة الكبيرة على العيلة.
سعيد منصور، الشريك الجديد، طلع راجل طماع ومستغل. بعد ما استغل حاجة بابا للسيولة وقيده بشروط جزائية صعبة في العقد، بدأ يتدخل في إدارة الشركة بأسلوب شغل بابا كله. وفي خلال ست شهور بس، استولى على نسبة الإدارة، وبابا لقى نفسه مجرد اسم في الشركة من غير أي سلطة، والتراكمات المالية زادت أكتر من الأول!
أما على المستوى العائلي، فالبيت انهار تماماً.
بابا، ولأول مرة في حياته، ما قدرش يسامح أمي ولا ينسى إنها ورطته واستغلت اسمه وحفيدته في ألعاب خبيثة من ورا ضهره. الخلافات بينهم كبرت لحد ما أخد قرار وانفصل عنها وعاش لوحده في شقة صغيرة. وندى أختي، جوازتها بدأت تتهز لأن طارق جوزها لما عرف الحقيقة كاملة وإزاي أختها وأمها خططوا للعبة دي، اتصدم من قسوة قلوبهم وبقت نظرته ليها مختلفة تماماً.
في يوم من الأيام، كنت طالعة من النادي أنا وليلى بعد تمرين السباحة.
لقيت أمي واقفة مستنياني جنب العربية. كانت خاسة جداً، وشكلها مجهد، والغرور اللي كان مالي عينيها زمان اختفى تماماً.
أول ما شافتنا، قربت بخطوات مترددة. ليلى مسكت في إيدي وجت ورايا وهي خايفة.
”نوران.. أرجوكِ اسمعيني دقيقة واحدة،” أمي قالتها بصوت مبحوح ودموعها في عينيها.
بصلتها بهدوء وثبات: “خير يا أمي؟”
”أنا خسرت كل حاجة يا نوران.. أباكي ساب البيت، وندى بيتها بيتخرب، والشركة راحت.. أنا عرفت إن ربنا بيعاقبني على اللي عملته في ليلى وفيكم. أنا أسفة.. والله العظيم ندمانة، مستعدة أعتذر لليلى قدام الدنيا كلها بس ارجعوا طلوا عليا، أنا حاسة إني مموتة نفسي بالحيا.”
بصيت لعينين أمي، ولأول مرة ما حسيتش بنار الغضب اللي كانت جوايا.. حسيت فقط بالحزن على النهاية دي. بس في نفس الوقت، افتكرت ليلى وهي بتعيط بالليل وبتسألني لو كانت هي “وحشة”.
وطيت لمستوى ليلى وسألتها بالراحة: “حبيبتي، حابة تسلمي على تيتا؟”
ليلى بصت لأمي شوية، وبعدين بصتلي وقالت بصوت هادي بس واثق: “لأ يا ماما.. يلا نروح.”
وقفت وبصيت لأمي وقلت لها: “المسامحة دي حاجة بينك وبين ربنا يا أمي، أنا مش شايلة في قلبي منك كره، بس الثقة لما بتتكسر مع الأطفال بالذات، مفيش حاجة بترجعها. أنتِ اخترتِ الفلوس والمظاهر يوم ما كنا محتاجين حنيتك، ودلوقتي كل واحد فينا عايش مع نتيجة اختياراته.”
سبتها ومشيت، وسمعت صوت بكائها ورايا، بس ما التفتش.
النهاردة، ليلى كبرت وبقت بنوتة واثقة في نفسها، وعرفت إن الأمان مش في العيلة اللي بالاسم بس، لكن في الناس اللي بتصون مشاعرك وتحميكي وقت الشدة.
وأنا تعلمت أهم درس في حياتي: إن الجبر خاطر الأطفال خط أحمر، وإن القسوة مهما اتغلفت بالفلوس والمظاهر، بتنتهي دايماً بالخسران.
النهاية.
تمت




