
حتى وقفت حماتي غاضبة.
وقالت
أصبحنا عبئًا عليك إذن؟
أجبتها بسرعة
لم أقل ذلك.
فقالت وهي تتصنع البكاء
أرأيت يا أحمد؟ زوجتك تعتبرنا خدمًا.
قلت بانفعال
أنا لم أقل هذا!
لكن أحمد كان قد انحاز إليهما بالكامل.
وقف أمامي وقال
اسمعيني جيدًا.
التقطت نفسًا عميقًا.
ثم قال
غدًا صباحًا ستذهبين إلى الصيدلية… وتقدمين استقالتك.
هززت رأسي رافضة.
مستحيل.
اقترب مني خطوة.
ولماذا؟
قلت بثبات
لأن هذا حقي.
فقال
وأمي لها حق عليّ.
أجبته
إذن قم أنت بخدمتها.
احمر وجهه غضبًا.
ولأول مرة منذ زواجنا…
صرخ في وجهي بصوت مرتفع
لقد قلت كلمتي.
فنظرت إليه بثبات وقلت
وأنا أيضًا قلت كلمتي.
ساد صمت ثقيل…
حتى إنني كنت أسمع صوت عقارب ساعة الحائط.
ثم…
ابتسم.
ابتسامة غريبة.
وقال بمنتهى الهدوء
إذن اسمعي الشرط الأخير.
نظرت إليه بصمت.
فقال وهو يحدق في عيني مباشرة
إذا لم تقدمي استقالتك غدًا… فاعتبري نفسك مطلقة، وسأتركك أنت والبنتين، وأتزوج امرأة تعرف كيف تقدر قيمتي.
وقعت كلماته على أذني كالصاعقة.
خرجت ابنتي لينا من غرفتها على وقع صراخنا.
وقفت تنظر إلينا وهي ترتجف خوفًا.
أما مريم…
فاحتضنت ساقي وهي تبكي بصوت مكسور
أمي… هل سيطلقك أبي حقًا؟
نظرت إلى ابنتيّ…
ثم رفعت بصري إلى أحمد.
ولأول مرة في حياتي…
شعرت أن الرجل الواقف أمامي ليس الزوج الذي عرفته يومًا.
لكنه لم يكن يعلم…
أنه وهو يهددني بالطلاق…
كان هناك سر كبير أخفاه عني لسنوات.
ولو خرج ذلك السر إلى النور…
فلن أكون أنا من سيخسر كل شيء…
بل سيكون هو أول النادمين على نطقه بكلمة الطلاق.
يتبع…
مرّت تلك الليلة وكأنها عام كامل.
لم أنم.
لم أبكِ.
ولم أحاول حتى إقناع أحمد بالتراجع.
جلست إلى جوار ابنتيّ حتى غلبهما النوم، بينما كانت كلماته تتردد في رأسي اعتبري نفسك مطلقة.
لكن أحمد لم يكن يعلم أن هناك حقيقة أخفاها عني منذ سنوات، وأنني اكتشفتها بالصدفة قبل أسبوعين فقط… واخترت الصمت حتى أتأكد.
في صباح اليوم التالي، ارتديت ملابسي كعادتي.
نظر إليّ أحمد باستغراب وقال
رايحة فين؟
أجبته بهدوء
إلى الصيدلية.
ابتسم بسخرية.
يعني قررتِ تعاندي؟
قلت
لا… قررت أخلّص شغلًا مهمًا.
هز كتفيه وقال
براحتك… بس لما ترجعي، هتلاقي ورقة الطلاق مستنياكي.
خرجت دون أن أرد.
لكنني لم أتجه إلى الصيدلية أولًا.
ذهبت إلى مكتب محامٍ كنت قد استشرته قبل أيام، بعدما اكتشفت الأمر الذي قلب حياتي.
وضعت أمامه الملف الأزرق.
فتح الأوراق، ثم ابتسم وقال
الحمد لله أنك احتفظتِ بكل هذه المستندات.
قلت
يعني موقفي قوي؟
أجاب بثقة
أقوى مما تتصورين.
خرجت من عنده، ثم ذهبت إلى عملي، وأنهيت مناوبتي كأن شيئًا لم يحدث.
وفي المساء عدت إلى المنزل.
كان أحمد يجلس في غرفة الجلوس، وإلى جواره والدته وشقيقته.
وبمجرد أن رآني، رمى ورقة على الطاولة وقال
اتفضلي… دي ورقة الطلاق.
نظرت إليها بهدوء.
ثم التقطتها.
وطويتها.
ووضعتها داخل حقيبتي.
اتسعت عيناه بدهشة.
كان ينتظر أن أنهار.
أن أبكي.
أن أترجاه.
لكني قلت بهدوء
شكرًا.
قطب حاجبيه.
شكرًا؟
قلت
أيوه… ريحتني.
ساد صمت ثقيل.
قالت حماتي بانفعال
شايفة يا أحمد؟! كانت مستنية الطلاق!
ابتسمت وأنا أخرج ملفًا من حقيبتي.
ووضعته أمامه.
قلت
قبل ما تفرحوا… في حاجة لازم تشوفوها.
فتح أحمد الملف بلا اهتمام.
لكن بعد ثوانٍ…
تغير لون وجهه.
بدأت يداه ترتجفان.
وقالت نجلاء بقلق
في إيه؟
لم يجب.
ظل يقلب الأوراق بسرعة وكأنه يبحث عن مخرج.
صرخت والدته
اتكلم!
رفع رأسه نحوي وهو يهمس
إنتِ… عرفتي من إمتى؟
نظرت إليه بثبات.
وقلت
من أسبوعين.
شهقت حماته.
عرفت إيه؟
أخرجت ورقة أخرى، ووضعتها أمامها.
ثم قلت
عرفت إن الشقة اللي إحنا عايشين فيها… مش باسم أحمد.
تجمد الجميع.
وأكملت
ولا العربية.
ثم وضعت ورقة ثالثة.
ولا المحل.
وأخيرًا أخرجت آخر مستند.
وقلت
لأن كل الممتلكات دي مرهونة بسبب ديون ضخمة أخفاها عن الجميع… وصدرت بحقه إجراءات تنفيذ قبل أشهر.
اتسعت عينا نجلاء.
ونظرت
إلى شقيقها في ذهول.
أما حماتي فصرخت
يعني إيه؟!
أجبتها بهدوء
يعني ابنك كان مفلسًا منذ فترة… وكان يريدني أن أترك عملي، لأن راتبي هو مصدر الدخل الوحيد الثابت في البيت.
نظر أحمد إلى الأرض، عاجزًا عن الكلام.
وأضافت
ولم يكتفِ بذلك… بل كان يخطط لأن أتحمل أنا مصاريف البيت، وأخدم والدته، وأرعى أطفال شقيقته، بينما هو يخفي الحقيقة عن الجميع.
ساد صمت طويل.
ثم التفتت نجلاء إلى شقيقها وقالت بصدمة
يعني كنت بتكدب علينا؟
لم يجب.
أما والدته، التي كانت قبل دقائق تدافع عنه، فقد جلست على المقعد وهي تضع يدها على رأسها، بعدما أدركت أن الصورة التي رسمها لسنوات لم تكن سوى وهم.
عندها أمسكت حقيبتي، وناديت ابنتيّ.
أمسكت كل واحدة منهما بيدي.
وقبل أن أغادر، التفتُّ إلى أحمد وقلت
هددتني بالطلاق لأنك ظننت أنني الحلقة الأضعف… لكنك نسيت أن المرأة التي تبني حياتها بعملها وكرامتها، لا يخيفها أن تخسر رجلًا لم يحترمها.
ثم خرجت من المنزل…
وللمرة الأولى منذ سنوات…
شعرت أنني لم أفقد بيتًا…
بل استعدت نفسي.
أغلقت الباب خلفي دون أن ألتفت.
كانت لينا تمسك يدي اليمنى، ومريم تمسك اليسرى.
شعرت بالخوف…
لكنني شعرت بالراحة أيضًا.
لأول مرة منذ سنوات، لم أكن مضطرة إلى تبرير قراراتي لأحد.
استقبلتني أمي وهي تبكي.
قالت
كنت حاسة إن اليوم ده هييجي.
احتضنتني بقوة.
أما أبي…
فاكتفى بأن وضع يده على رأسي وقال
البيت بيتك… وإحنا سندك.
مر أسبوع.
ثم أسبوعان.
وأحمد لم يتوقف عن الاتصال.
في البداية كان غاضبًا.
ثم صار يتوسل.
ثم بدأ يرسل رسائل يقول فيها إنه أخطأ، وإن كل ما حدث كان بسبب ضغوط الديون.
لكني لم أرد.
أما المفاجأة الحقيقية…
فجاءت بعد شهر.
كنت في عملي، عندما دخل رجل في أواخر الخمسينيات، وسأل عني بالاسم.
خرجت إليه.
قال
حضرتك زوجة أحمد السابقة؟
أجبته
نعم.
ناولني بطاقة تعريفه.
كان محامي إحدى شركات التمويل.
قال بهدوء




